﴿وَيَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ مُسْتَأْنِفَةً﴾ يعني: ابتدائية ﴿وَيَكُونَ الْوَقْفُ عَلَى ((إلاَّ اللَّهُ))﴾ ((وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ)) [آل عمران:7] فحينئذٍ يكون التأويل بمعنى: إدراك الحقائق على ما هي عليه، كيوم القيامة وما يقع فيه. وهذا لا إشكال فيه، لكن لما كان فهم السلف على أن الواو هنا ابتدائية صار مرجَّحاً وهو أولى به.
(وَاسْمٍ) يكون الإجمال في مدلول الاسم، وهذا كل لفظٍ مشترَك يدخل معنا هنا.
ولذلك مثّل بالقُرء، القرء هذا اسمٌ مترددٌ بين الحيض والطهر. يعني: يُطلق ويراد به الحيض ويطلق ويراد به الطهر.
فإذا جاء في لفظٍ صار متردداً بين المعنيين، فحينئذٍ نحتاج إلى مرجِّحٍ من خارج.
((وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ)) [البقرة:228] قروء هذا يحتمل أنها ثلاثة أطهار أو ثلاث حيض، ولذلك احتجنا إلى مرجح من خارج، أما اللفظ فهو مُجملٌ.
﴿فِي اسْمٍ كَالْقُرْءِ الْمُتَرَدِّدِ بَيْنَ الْحَيْضِ وَالطُّهْرِ، وَكَالْعَيْنِ الْمُتَرَدِّدَةِ بَيْنَ الْبَاصِرَةِ وَالْجَارِيَةِ وَعَيْنِ الْمِيزَانِ وَالذَّهَبِ وَغَيْرِ ذَلِكَ﴾ هذا يسمى إجمالاً في الاسم.
وقد يكون إجمالاً في الصرف فيما يتعلق بالكلمة ومثلوا لها بـ: مختار، مختار هذا يحتمل أنه اسم فاعل ويحتمل أنه اسم مفعول، كيف يكون اسم فاعل؟ مختَيَر يعني: مفتعلٌ. تحركت الياء وانفتح ما قبلها وقُلبت ألفاً، ثم صار فيه إجمال: هل المراد مختارٌ منه أو مختارٌ من كذا؟
صار محتمِلاً، والذي يبيِّن: المتعلق .. الصيغة .. التركيب، لكنه هو في نفسه محتمل، مختَيَر يعني: مفتعل، فحينئذٍ صار اسم مفعول، ومختير حينئذٍ صار مفتَعِل فيكون اسم فاعل.
فمختار حينئذٍ صالحٌ للفاعل والمفعول ففيه إجمال، فيه إجمال سببه القاعدة الصرفية.
فأقول: اخترت فلاناً فأنا مختار وهو مختارٌ، ويتميز بحرف الجر فتقول في الفاعل: مختارٌ لكذا، وتقول في المفعول: مختارٌ من كذا.
قال: (وَمُرَكَّبٍ).
يعني: يكون الإجمال في مركبٍ، وما سبق يكون في مفردٍ. وهذا التقسيم هو المشهور عند الأصوليين: أن الإجمال يدخل المفرد ثم يُفصَّل فيه: يكون في الحرف، ويكون في الاسم، ثم يكون في الاسم باعتبار المعنى، ويكون في الاسم باعتبار العلل الصرفية.
(وَمُرَكَّبٍ) يعني: فيما إذا أسند في جملة فعلية، ﴿وَيَكُونُ الإِجْمَالُ أَيْضًا فِي مُرَكَّبٍ نَحْوُ: الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ((أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي))﴾ يعفو الواو هنا فيها إجمال.
{((أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ)) فَإِنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْوَلِيَّ؛ لأَنَّهُ الَّذِي يَعْقِدُ نِكَاحَ الْمَرْأَةِ، لأَنَّهَا لا تُزَوِّجُ نَفْسَهَا, وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الزَّوْجَ؛ لأَنَّهُ الَّذِي بِيَدِهِ دَوَامُ الْعَقْدِ وَالْعِصْمَةُ.
وَالاحْتِمَالُ الثَّانِي: هُوَ الرَّاجِحُ مِنْ الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ الإِمَامِ أَحْمَدَ رحمه الله تعالى, وَمَذْهَبِ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَحَدِ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ}.