تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فإن الإنسان -وهذا تعبير الرازي- إذا رأى شخصاً من بعيد تخيله طللاً سماه بذلك، إذاً تبع اللفظ ماذا؟ تبع المعنى الذي استحضره في الذهن، فإذا قرب منه وظنه شجراً سماه به، ظنه ابتداء أن هذا الشيء شجر ثم قال: هذا شجر، فحينئذٍ وجد المعنى الذهني ثم تبعه اللفظ، فإذا دنا منه ورآه رجلاً سماه به، فاختلف الاسم لاختلاف المعنى، وذلك يدل على أن الوضع له، هذا الدوران في الوجود والعدم، ترى شيئاً بعيد فتظنه شيئاً ما فيقع في نفسك معنى تتخيله، فحينئذٍ تطلق اللفظ عليه، ثم تقرب منه فتظنه شيئاً آخر، يتبين لك الغلط السابق، ثم تبدل اللفظ وتأتي بلفظ آخر تبعاً للمعنى الذي حصل في الذهن، هذا يدل على أن الأصل في وضع الألفاظ إنما هو المعاني الذهنية.

﴿وَهَذَا الْقَوْلُ اخْتَارَهُ الرَّازِيّ وَأَتْبَاعُهُ, وَابْنُ حَمْدَانَ, وَابْنُ قَاضِي الْجَبَلِ مِنْ أَصْحَابِنَا﴾.

وأجيب عنه بأن اختلاف الاسم لاختلاف المعنى في الذهن لظنِّ أنه في الخارج كذلك، لا لمجرد اختلافه في الذهن، يعني: التبدل الذي حصل في الألفاظ هنا؛ لاكتشاف أن هذا الظن بأنه في الخارج كذلك خطأ، فليس تابعاً للمعنى الذهني، ولذلك أجيب بأن الاختلاف يعني: اختلاف الاسم لاختلاف المعنى في الذهن لظن أنه في الخارج كذلك لا لمجرد اختلافه في الذهن، فالموضوع له ما في الخارج والتعبير عنه تابع لإدراك الذهن له حسب ما أدركه.

﴿وَالْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّهُ وُضِعَ لِلْمَعْنَى الْخَارِجِيِّ أَيْ: الْمَوْجُودِ فِي الْخَارِجِ﴾ لأنه به تستقر الأحكام؛ لأن الأحكام إنما وضعت للأمور الخارجية المشخصة دون الحقائق الذهنية، يعني التعبير بين الناس والنظر فيما يتعلق به اللفظ إنما هو يكون لمعان موجودة في الخارج وليست لأشياء تكون في الذهن، ورجّح هذا القول القرافي، ونسبه في نشر البنود إلى الجمهور، ويؤيده أن الحقيقة الذهنية توجد في الخارج في ضمن أفرادها الشخصية، يعني: كأنه يُجمع بين القولين بأن المعنى الذهني معتبر، إذا قلنا بأن اللفظ وضع للمعنى الخارجي، لماذا؟ لأن المعاني الذهنية كليات، والأشياء التي تكون في الخارج هذه جزئيات، ومعلوم أن الكليات موجودة في ضمن جزئياتها، وحينئذٍ يكون وسطاً بين الأمرين.

ويؤيده أن الحقيقة الذهنية توجد في الخارج في ضمن أفرادها الشخصية، فزيد مثلاً مشتمل على القدر المشترك وهو الإنسانية إلا أنه تميز عن غيره بتشخصاته الذاتية.

قال في تشنيف المسامع: والحق أن دلالته -يعني: اللفظ- على المعاني الخارجية إنما هو بتوسط دلالته على المعاني الذهنية، ودلالته على المعاني الذهنية بغير وسط، وينبغي تنزيل كلام الإمام عليه -القول الثالث- وأنه لم يرد أنها لم توضع للمعاني الخارجية ابتداء؛ لأنها غير مقصودة أصلاً، فإن ذلك باطل؛ لأن المخبر إذا أخبر غيره بقوله: جاء زيد، أين مدلول اللفظ؟ هل هو في الذهن أم في الخارج؟ جاء زيد، أين وقع المجيء؟ في الخارج، إذاً: يكون مدلول اللفظ الذي هو الخبر هنا يكون في الخارج، لكن لا بد من اعتبار المعاني الذهنية، وهي مطلق القيام ونحوه.

شرح مختصر التحرير للفتوحي · الصفحة ١٢١

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

شرح مختصر التحرير للفتوحيص ١٢١