ولذلك قال هنا ابن تيمية: ﴿لَوْ قَالَ أَدْخِلْ بَنِي هَاشِمٍ ثُمَّ بَنِي الْمُطَّلِبِ ثُمَّ سَائِرَ قُرَيْشٍ فَأَكْرِمْهُمْ، كَانَ الضَّمِيرُ عَائِدًا إلَى مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ﴾.
إذاً: عود الاستثناء إلى جميع ما سبق ليس خاصاً بالاستثناء، وإنما قد يكون كذلك في الضمير، وهذا لا إشكال فيه.
﴿وَلَيْسَ هَذَا مِنْ بَابِ اخْتِلافِ النَّاسِ فِي الاسْتِثْنَاءِ الْمُتَعَقِّبِ جُمَلاً: هَلْ يَعُودُ إلَى الأَخِيرَةِ أَوْ إلَى الْكُلِّ؟ لأَنَّ الْخِلافَ هُنَاكَ إنَّمَا نَشَأَ لأَنَّ الاسْتِثْنَاءَ يَرْفَعُ بَعْضَ مَا دَخَلَ فِي اللَّفْظِ، وَهَذَا الْمَعْنَى غَيْرُ مَوْجُودٍ فِي الضَّمِيرِ, فَإِنَّ الضَّمِيرَ اسْمٌ مَوْضُوعٌ لِمَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ، وَهُوَ صَالِحٌ لِلْعُمُومِ عَلَى سَبِيلِ الْجَمْعِ. فَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ وَجَبَ حَمْلُهُ عَلَى الْعُمُومِ إذَا لَمْ يَقُمْ مُخَصِّصٌ, وَعَلَى هَذَا فَحَمْلُ الضَّمِيرِ عَلَى الْعُمُومِ حَقِيقَةٌ , وَحَمْلُهُ عَلَى الْخُصُوصِ مِثْلُ التَّخْصِيصِ لِلَّفْظِ الْعَامِّ﴾.
إذاً: عود الضمير على جميع ما سبق هذا حقيقة فيه وليس من المسألة التي وقع النزاع فيها في المثال السابق، الذي هو: الاستثناء المتعقب لجملٍ.
قال: (وَهُوَ مِنْ نَفْيٍ إثْبَاتٌ وَبِالْعَكْسِ).
هنا شروع فيما يتعلق بالحكم الثابت للمستثنى هل هو عين المستثنى منه -يعني: ما ثبت المستثنى منه- أو خلافه؟ قال: خلافه.
(وَهُوَ) ﴿أَيْ الاسْتِثْنَاءُ الصَّحِيحُ﴾ الذي توفرت فيه الشروط السابقة (مِنْ نَفْيٍ إثْبَاتٌ).
إذا قلت: ما قام القوم إلا زيداً. هنا أثبتَّ القيام لزيد؛ لأنه من نفي.
إذاً: تُثبت للمستثنى نقيض ما ثبت للمستثنى منه، إن كان نفياً فإثبات، وإن كان إثباتاً فنفي.
"ما قام القوم إلا زيداً" لم يقم، "قام القوم إلا زيداً" لم يقم، "ما قام القوم إلا زيداً" قام زيد .. أثبت لزيد نقيض الحكم السابق وهو إثبات القيام.
"قام القومُ إلا زيداً" نفيت عن زيدٍ القيام، هذه قاعدة مطردة.
(وَهُوَ مِنْ نَفْيٍ) {أَيْ: مِنْ أَشْيَاءَ مَنْفِيَّةٍ.
إثْبَاتٌ لِلْمُسْتَثْنَى وَبِالْعَكْسِ أَيْ: وَالاسْتِثْنَاءُ مِنْ أَشْيَاءَ مَثبتة نَفْيٌ لِلْمُسْتَثْنَى}.
لأن الاستثناء ضد المستثنى منه، وهو مذهب نحاة البصرة.
{فَإِذَا قَالَ: لَهُ عَلَيَّ عَشَرَةٌ إِلاَّ دِرْهَمًا، كَانَ ذَلِكَ إقْرَارًا بِتِسْعَةٍ, وَإِذَا قَالَ: لَيْسَ لَهُ عَلَيَّ شَيْءٌ إلاَّ دِرْهَمًا كَانَ مُقِرًّا بِدِرْهَمٍ, وَعَلَى هَذَا قَوْلُ الْجُمْهُورِ مِنْ أَصْحَابِنَا وَالْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ.