تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

أُجيب عن الاحتجاج بالآية بما ذكره المصنف، وأُجيب بجوابٍ آخر: أنه استثنى في إحدى الآيتين المخلصين. يعني: من بني آدم .. في الآية السابقة: ((إلاَّ عِبَادَك مِنْهُمْ الْمُخْلَصِينَ)) وهم الأقل، هذا لا إشكال فيه.

وفي الأخرى "الغاوين" من جميع العباد، أولوه على جميع العباد، ومن العباد الملائكة، وعليه ((إلاَّ مَنْ اتَّبَعَك مِنْ الْغَاوِينَ)) حينئذٍ الغاوون هذا مستثنى من العباد، والعباد يدخل فيهم الملائكة، وإذا أدخلنا الملائكة حينئذٍ صار الغاوين أقل. هذا تأويل.

قال: فإن الملائكة من عباد الله تعالى كما قال سبحانه: ((بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ)) وهم غير غاوين.

أو نحمل قوله: ((إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ)) على الاستثناء المنقطع بمعنى "لكن" بدليل أنه قال في آية أخرى: ((وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي)) [إبراهيم:22] إذاً: هذا الدليل نُوزع فيه، لكن ظاهره هو معتمد عند كثير من الأصوليين.

لكن مراد المصنف هنا: أنه منع استثناء الأكثر، وكأنه يرى أن هذه الآية فيها استثناء للأكثر، فلا مناص عنها البتة .. ((إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ)) هذه استثناء الأكثر.

لماذا جوزه وأنت منعتَ؟ قال: هذا بدليلٍ خارج.

إن دل الدليل الخارجي على جواز استثناء الأكثر، فحينئذٍ يُستثنى بالدليل الخارجي، وأما القاعدة فلا.

ولذلك قال: (إِلَّا إذَا كَانَتْ الْكَثْرَةُ مِنْ دَلِيلٍ خَارِجٍ عَنْ اللَّفْظِ) فيجوز استثناء الأكثر.

﴿نَحْوُ قَوْلِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: ((إلاَّ مَنْ اتَّبَعَك مِنْ الْغَاوِينَ)) وقَوْله تَعَالَى: ((إِلاَّ عِبَادَك مِنْهُمْ الْمُخْلَصِينَ))، مع قَوْله تَعَالَى﴾ وهو الدليل الخارجي ﴿((وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ))﴾ نفى الإيمان عن أكثر الناس. إذاً هم غاوون.

{لأَنَّ هَذَا تَخْصِيصٌ بِصِفَةٍ، فَإِنَّهُ يُسْتَثْنَى بِالصِّفَةِ مَجْهُولٌ مِنْ مَعْلُومٍ وَمِنْ مَجْهُولٍ، وَيُسْتَثْنَى الْجَمِيعُ أَيْضًا.

فَلَوْ قَالَ: اُقْتُلْ مَنْ فِي الدَّارِ إلاَّ بَنِي تَمِيمٍ، أَوْ إلاَّ الْبِيضَ، فَكَانُوا كُلُّهُمْ بَنِي تَمِيمٍ أَوْ بِيضًا} هل يجوز القتل؟ لا يجوز؛ لأن الاستثناء باطل، ينبني عليه مثل هذا.

لو قال: له عليَّ عشرة إلا تسعة، أُلغيت التسعة.

هنا قال: في الوصف يفارق العدد، له عليَّ عشرة إلا تسعة بطلت التسعة، تلزمه عشرة، لكن هنا قال: ﴿اُقْتُلْ مَنْ فِي الدَّارِ إلاَّ الْبِيضَ﴾ وجدهم كلهم بيض، يجوز أن يقتل؟ لا يجوز له أن يقتل؛ لأن هذا ليس بعدد وإنما هو وصفٌ.

قال: ﴿فَكَانُوا كُلُّهُمْ بَنِي تَمِيمٍ أَوْ بِيضًا لَمْ يَجُزْ قَتْلُهُمْ﴾ لأن الوصف لم يتحقق.

{بِخِلافِ الْعَدَدِ. ثُمَّ الْجِنْسُ ظَاهِرٌ وَالْعَدَدُ صَرِيحٌ، فَلِهَذَا فَرَّقَتْ اللُّغَةُ بَيْنَهُمَا.

شرح مختصر التحرير للفتوحي · الصفحة ١١٦٢

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

شرح مختصر التحرير للفتوحيص ١١٦٢