وعليه: ولا إشكال يرد على هذا التقدير: لا إله إلا الله. إذا قلت بأن الاستثناء هنا من مدخول الله وهو إخراج. يعني: إخراجٌ بعد الإسناد، حينئذٍ نفيت الألوهية عن الباري لأنه دخل، لا إله .. هو إله، قلت: لا إله. جميع الطواغيت نفيتَ عنها الألوهية وأدخلت الباري فنفيت عنه الألوهية، ثم قلت: إلا الله.
ولذلك ابن القيم ألزم من قال بأنه إخراجٌ مما دخل في المستثنى، حينئذٍ ألزمه بأنه لم يكن موحِّداً، من فسَّر "لا إله" بأنه أدخل الإله الحق في اسم لا النافية للجنس ثم أخرجه. هذا ليس بمُسلِم؛ لأنه نفى الألوهية عن الباري جل وعلا ثم أثبته.
إذاً: قولٌ ذو صيغ مخصوصة محصورة دالٌ -هذا القول-، ليس فيه إخراج، وإنما جيء به للبيان والإيضاح، دالٌ على أن المذكور فيه أو معه لم يُرد بالقول الأول.
إذاً: الاستثناء جاء مبيّن.
وما ذكره المصنف على ما شاع واشتهر عند كثير من النحاة والأصوليين.
والصواب: أن المستثنى الذي هو زيد أنه إن عبَّرت بالإخراج أنه خرج قبل الإسناد .. قبل أن تتكلم خرج من الحكم الذي هو إثبات القيام له، ومن المستثنى منه.
أما بعد الإسناد فليس عندنا إخراج وإنما عندنا بيان فقط؛ لئلا يهم السامع بأن هذا الفرد داخلٌ تحت اللفظ العام.
قال: ﴿ثُمَّ يُشْتَرَطُ لِصِحَّةِ الاِسْتِثْنَاءِ: أَنْ يَكُونَ الْمُسْتَثْنَى وَالْمُسْتَثْنَى مِنْهُ صَادِرَيْنِ مِنْ مُتَكَلِّمٍ وَاحِدٍ﴾.
وهذا بناء على ما مر سابقاً: أن الكلام يُشترط فيه أن يكون من ناطقٍ واحدٍ، فلو قال: قام القومُ. قال آخر: إلا زيداً. هل يسمى كلاماً؟ لا يسمى كلاماً، لو قال لزوجته: أنتِ طالق ثلاثاً. قال آخر: إلا اثنتين. يحصل الاستثناء؟ لا يحصل الاستثناء.
إذاً: لا بد أن يكون صادراً من واحد؛ لأنه كلام والأصل في الكلام أنه لا يُعتبر من ناطقين، وإنما لا بد من ناطقٍ واحد. وهذا هو الصحيح خلافاً لما اختاره ابن مالك وغيره.
قال: ﴿أَنْ يَكُونَ الْمُسْتَثْنَى وَالْمُسْتَثْنَى مِنْهُ صَادِرَيْنِ مِنْ مُتَكَلِّمٍ وَاحِدٍ﴾ لأن من شروط الكلام: صدوره من ناطق واحد.
قال: ﴿لِيَخْرُجَ مَا لَوْ قَالَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: ((اُقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ)) فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: <<إِلاَّ أَهْلَ الذِّمَّةِ>> فَإِنَّ ذَلِكَ اسْتِثْنَاءٌ مُنْفَصِلٌ لاَ مُتَّصِلٌ﴾.
وقيل: بل متصل؛ لأن الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مبلغٌ عن الباري جل وعلا. وعليه فيصح.
والمخصِّصات ما هي إلا هذا النوع: أن يأتي الكلام عاماً من الباري جل وعلا ويأتي التخصيص من السنة، فهو في قوة الاستثناء.
﴿وَقَدَّمَ هَذَا الْقَوْلَ فِي جَمْعِ الْجَوَامِعِ. وَضَعَّفَ الصَّفِيُّ الْهِنْدِيُّ مُقَابِلَهُ, وَلِهَذَا قَالَ الرَّافِعِيُّ: لَوْ قَالَ زَيْدٌ لِعَمْرٍو: لِي عَلَيْك مِائَةٌ، فَقَالَ عَمْرٌو: إِلاَّ دِرْهَمًا، لَمْ يَكُنْ مُقِرًّا بِمَا عَدَا الْمُسْتَثْنَى عَلَى الأَصَحِّ﴾.