فإذا كان أقل الرجال هو اثنان ما الفرق بين المثنى والجمع؟ لا فرق بينهما، ولما أرادت ما زاد على الاثنين وضعت له صيغة مستقلة.
إذاً: مفردٌ ومثنى وجمعٌ، المفرد يدل على الواحد، والمثنى يدل على الاثنين، والجمع يدل على ثلاثة فما زاد. وهذا دليل واضح.
﴿وَلاَ يَصِحُّ نَفْيُ الصِّيغَةِ عَنْهَا﴾ يعني: عن الثلاثة .. لم يُرد الثلاثة.
﴿وَهُمَا﴾ أي: التبادر إلى الذهن وعدم صحة النفي ﴿دَلِيلُ الْحَقِيقَةِ وَالْمُثَنَّى بِالْعَكْسِ﴾.
وما قررناه أولى مما ذكره المصنف رحمه الله تعالى: أن العرب فرَّقت فيما إذا أرادت الواحد أو الاثنين أو الثلاثة فما زاد، فوضعت للأول المفرد، وللثاني المثنى، وللثالث الجمع فما زاد.
ثم دليلٌ أثريٌ في المسألة، وفيه نزاع في ثبوته.
﴿رَوَى الْبَيْهَقِيُّ وَابْنُ حَزْمٍ -مُحْتَجًّا بِهِ-﴾ يعني: ابن حزم احتج به ﴿وَغَيْرُهُمَا بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ﴾ فيه ضعف.
﴿إلَى ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ عَنْ شُعْبَةَ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: أَنَّهُ قَالَ لِعُثْمَانَ﴾ في مسألة الأخوين ((فَإِنْ كَانَ لَهُ إخْوَةٌ)) كان فيه مناظرة بين ابن عباس وبين عثمان رضي الله تعالى عنه.
قال ابن عباس لعثمان: ﴿إنَّ الأَخَوَيْنِ لاَ يَرُدَّانِ الأُمَّ إلَى السُّدُسِ﴾ خلافاً للجمهور.
﴿إنَّمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ((فَإِنْ كَانَ لَهُ إخْوَةٌ))﴾ وإخوة هذا جمعٌ، والأَخَوَانِ لا يَرُدَّانِ الأُمَّ إلَى السُّدُسِ. استدل ابن عباس بلفظ الجمع على أنه أقل الثلاثة.
كأنه يقول: ظاهر القرآن هو الثلاثة، لا يحجب إلا الثلاثة فما زاد، وأما الأخوان فهذا ليس بجمعٍ وإنما هو مثنى.
﴿إنَّ الأَخَوَيْنِ لاَ يَرُدَّانِ الأُمَّ إلَى السُّدُسِ﴾ استناداً إلى ظاهر النص؛ لقوله: ((فَإِنْ كَانَ لَهُ إخْوَةٌ)).
قال: ﴿وَالأَخَوَانِ فِي لِسَانِ قَوْمِك لَيْسَا بِإِخْوَةٍ﴾ وهذا حجة الجمهور هنا، وأقره عثمان على ذلك، لكنه احتج بالإجماع، لما قال: قال: ﴿وَالأَخَوَانِ فِي لِسَانِ قَوْمِك لَيْسَا بِإِخْوَةٍ﴾ لم يقل له: لا. ليس الأمر كذلك، أمنع .. لم يأتِ بالمنع ولا بالمناقضة، وإنما انتقل لدليل آخر وهو الصارف لظاهر الآية.
﴿فَقَالَ عُثْمَانُ: لاَ أَسْتَطِيعُ أَنْ أَنْقُضَ أَمْرًا كَانَ قَبْلِي﴾ كلامك في محله وهو أن الاثنين ليس بجمعٍ وإنما سبقَ إجماعٌ ﴿فلاَ أَسْتَطِيعُ أَنْ أَنْقُضَ أَمْرًا كَانَ قَبْلِي وَتَوَارَثَهُ النَّاسُ، وَمَضَى فِي الأَمْصَارِ﴾.
فحمل اللفظ على غير ظاهره بالإجماع الذي ذكره عثمان رضي الله تعالى عنه، وهذا دليلٌ على صحة إطلاق الجمع على الاثنين مجازاً.
يعني: الإخوة في الآية أريد به الاثنان، لكن حقيقة أو مجازاً؟
نحن قلنا في القاعدة: أقله ثلاثة حقيقة. إذاً: قد يُستعمل في أقل الجمع ولا يراد به الثلاثة وإنما يراد به الاثنان، بل قد يراد به الواحد كذلك على الصحيح، حينئذٍ نقول: هذا استعمال مجازي، فيطلق الجمع ويراد به الاثنان مجازاً، ويطلق الجمع ويراد به الواحد مجازاً؛ لأنه في استعمال اللغة الإطلاق الحقيقي إنما هو في الثلاثة.