((مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ)) [فصلت:46] مجرد عمل صالح واحد وما عداه لا يكون لنفسه، أو أنه يلزم منه التكرار؟ يلزم منه التكرار، كلما عمل صالحاً فهو لنفسه، فحينئذٍ هنا جاءت الفائدة من تعليق الجزاء على ما يُشعر بأنه علة الحكم وهو العمل الصالح، ولذلك وُصِف العمل بكونه صالحاً، ولا شك أن الصلاح وصفٌ صالحٌ لأن يُعلَّق عليه الحكم.
إذاً: هذا يقتضي التكرار؛ لأنه عُلِّقَ على شيءٍ هو في معنى العلة، ومعلوم أن الحكم يدور مع علته وجوداً وعدماً.
إلا إذا فُهم أن الشرط علةٌ، فإن الأصل ترتب الحكم على علته فيلزم التكرار كقوله تعالى: ((مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ)) [فصلت:46]، ((فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَه)) [الزلزلة:7] كذلك.
وأما الألفاظ الموضوعة لعموم الأفعال فهي: كل، ومتى، وما، ومهما .. ولو قال: كلما دخلتِ فأنتِ طالق اقتضى التكرار.
إذاً: من أسماء الشرط ما يقتضي التكرار ومنها ما لا يقتضي التكرار، والمراد التكرار هنا في الأفعال، أما الأشخاص انتهينا منه؛ لأنه لفظٌ عام، واللفظ العام يدل على الأشخاص قطعاً، والبحث في الأفعال.
حينئذٍ الألفاظ الموضوعة لعموم الأفعال من أسماء الشرط ونحوها فهي: كل، ومتى، وما، ومهما .. فلو قال: كلما دخلتِ فأنتِ طالق اقتضى التكرار.
يعني: إذا دخلت المرة الأولى وقعت عليها طلقة، وإذا دخلت المرة الثانية طلقة، والثالثة ..
إذاً: ومتى لزمانٍ مبهمٍ كما قال هنا.
قال: ﴿وَتَقُولُ فِي الاِسْتِفْهَامِ: مَتَى جَاءَ زَيْدٌ؟﴾ صباحاً مثلاً أو في الصباح.
حينئذٍ أي زمنٍ يصدق عليه أنه يكون فرداً من أفراد متى جاء زيد؟
يعني: كأنه قال: في أي زمنٍ جاء زيد؟ وهذا عام.
(وَأَيُّ لِلْكُلِّ) يعني: للعاقل ولغيره.
إذاً: من أسماء الشرط ما يكون مختصاً بالعاقل، ومنه ما يكون مختصاً بغير العاقل، ومنه ما يكون مشتركاً.
ولذلك قال: (لِلْكُلِّ) أدخل أل هنا على الكل وهو غلطٌ عند النحاة.
(وَأَيُّ لِلْكُلِّ) أيُّ هذه عامة فيما تضاف إليه. يعني: تفيد العموم باعتبار المضاف إليه، أما هي في نفسها هذه لا تفيد العموم بذاتها؛ لأنها ملازمة للإضافة.
فهي عامة فيما تُضاف إليه من الأشخاص والأزمنة والأمكنة والأحوال .. الأحوال الخمسة التي تأتي فيها صيغ العموم، فهي عامة فيما تضاف إليه من الأشخاص مثل: <<أَيُّمَا امْرَأَةٍ نَكَحَتْ نَفْسَهَا>> هذا يصدق على الأشخاص.
<<أَيُّمَا امْرَأَةٍ نَكَحَتْ نَفْسَهَا>>، هذا واضح أن العموم هنا في الأشخاص لا في الأزمنة ولا في غيرها وإنما في الأشخاص.
أيَّ زمانٍ سرتَ سرتُ فيه، هذا واضح .. أي زمانٍ.
أيّ مكانٍ جلستَ جلستُ فيه، واضح أنها باعتبار المكان.
أيّ حالٍ كنتَ كنتُ معك، أي فعلٍ فعلتَ فعلتُ .. إلى آخره.
حينئذٍ يكون النظر هنا في معرفة العموم: هل هو في الأشخاص، أو في الأزمان، أو في الأماكن والبقاع، أو في الأحوال والأفعال، باعتبار المضاف إليه.
أما أيُّ وحدها، فهذه لا تدل على شيءٍ البتة، وإنما يكون العموم باعتبار ما تضاف إليه.
قال: (وَأَيُّ لِلْكُلِّ) ﴿يَعْنِي: أَنَّ أَيَّ الْمُضَافَةَ تَكُونُ لِلْعَاقِلِ وَغَيْرِ الْعَاقِلِ﴾ أما غير المضافة فلا.