فكان حسنة. ولأنهم اتفقوا على أن قوله: وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً: مِمَّنْ دَعا إِلَى اللَّهِ (1) المراد به:
كلمة الشهادة وقيل في قوله: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ (2) إن ذلك هو قول: لا إله إلا اللَّه. فثبت: أن الإيمان حسنة.
وإنما قلنا: إن كل حسنة فمن اللَّه. لقوله تعالى: ما أَصابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وهو نكرة في موضع الشرط، فيفيد الاستغراق. وإذا ثبت أن الإيمان من اللَّه، وأردنا أن نبين أيضا: أن الكفر من اللَّه تعالى. فلنا فيه وجوه:
الأول: إنه لا قائل بالفرق.
الثاني: العبد لو قدر على إيجاد الكفر. فالقدرة الصالحة لإيجاد الكفر. إما أن تكون صالحة لإيجاد الإيمان، أو لا تكون. فإن كان الأول فحينئذ يعود ذلك إلى القول بأن إيمان العبد منه. وإن كان الثاني فحينئذ يكون القادر على الشيء غير قادر على ضده. وذلك عندهم باطل.
وأيضا: على هذا التقدير تكون القدرة موجبة للمقدور. وذلك عندهم يمنع من كون القادر قادرا على الفعل. فثبت: أنه لما لم يكن الإيمان منه، وجب أن لا يكون الكفر منه.
الثالث: إن العبد لما لم يكن موجدا للإيمان. فبأن لا يكون موجدا للكفر أولى. وذلك لأنك لا ترى في الدنيا إنسانا يرضى بالكفر والجهل والضلال. بل إنما يريد الحق والإيمان. فلما نص تعالى على أن الإيمان الذي وقع على قصده، ليس منه، بل من اللَّه. والكفر الذي وقع على خلاف قصده بأن لا يكون منه، بل من اللَّه: كان أولى.
فإن قالوا: لم لا يجوز أن يكون المراد من كون الإيمان من اللَّه، هو أن اللَّه أقدره عليه، وهداه إليه؟ قلنا: فعلى هذا التقدير. الذي من اللَّه هو الإقدار والتمكين. فأما تعين الإيمان فليس من اللَّه. وهو على خلاف الآية. وأيضا: فجميع الشرائط مشتركة بالنسبة إلى الإيمان والكفر. وهو القدرة، والعقل، والدلائل. ثم إن العبد باختيار نفسه، أوجد أحد الضدين دون الآخر. فلا بد و
(1) سورة فصلت الآية (33).
(2) سورة النحل الآية (90).