وقع على وفق قصده: من اللَّه، لا منه. فكيف يمكن أن يقال: الكفر الذي وقع على خلاف مقصده: منه؟.
والحاصل: إن قوله: «وما أصابك من سيئة، فمن نفسك؟»: محمول على الاستفهام، على سبيل الإنكار، حتى يلزم التناقض بين أول الآية وآخرها. ومما يدل على أن المراد من قوله:
قُلْ: كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ: جميع الممكنات والمحدثات وجهان:
الأول: البرهان القاطع العقلي. وهو أن كل موجود. فهو إما واجب لذاته، وإما ممكن لذاته. والواجب لذاته واحد. وهو اللَّه - سبحانه - والممكن لذاته كل ما سواه. ثم إن الممكنات لذاته، إن استغنى عن المؤثر، فحينئذ ينسد باب الاستدلال بحدوث العالم وبجوازه على وجود الصانع، ويلزم نفي الصانع. وأما إن كان الممكن لذاته، محتاجا إلى المؤثر، وجب أن يثبت هذا الحكم في جميع الممكنات، وأن لا يختلف لكونه حيوانا أو جمادا، أو فلكا أو ملكا، أو حركة أو سكونا، أو فعلا أو قولا. لأنه لما كان الإمكان منشأ للحاجة، وجب تحقق الحاجة في جميع الممكنات. ولأجل قوة هذا البرهان وظهوره. قال سبحانه: فَما لِهاؤُلاءِ الْقَوْمِ، لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثاً على سبيل التعجب. لأنه لما كان الإمكان هو المنشأ للحاجة. فالحكم في بعض الممكنات بالحاجة، وفي بعضها بعدم الحاجة: عجيب خارج عن المعقول.
والوجه الثاني في بيان ما ذكرناه: أنه تعالى قال في آخر هذه الآية: مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ، فَقَدْ أَطاعَ اللَّهَ، وَمَنْ تَوَلّى، فَما أَرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً يعني: ما أرسلناك إليهم لأجل أن تجعلهم مؤمنين، عارفين واصلين إلى الحق. فإن ذلك ليس في وسعك. بل لا يحصل ذلك إلا بقدرتي وإرشادي.
وهذا آخر تقرير هذه الحجة. واللَّه أعلم.
الحجة الخامسة عشر: الإيمان حسنة، وكل حسنة فمن اللَّه، ينتج: أن الإيمان من اللَّه.
بيان المقدمة الأولى: إن الحسنة هي الفعل الخالي عن جميع جهات القبح، والإيمان كذلك.