واعلم. أن هذه الشبهة أيضا: باطلة لأن الحكيم كما يتكلم بالحقيقة، فقد يتكلم بالمجاز. وإذا كان الأمر كذلك، لم يلزم من حمل بعض الآيات على مجازاتها: محذور.
فهذه جملة ما يتعلق بهذه المقدمة.
وباللَّه التوفيق
الفصل الثاني في التمسك بالآيات المشتملة على لفظ «الخلق»
الكلام في تقرير هذا المطلوب، يستدعي تقديم مقدمة في لفظ «الخلق» فنقول: لفظ الخلق، جاء بمعنى الإحداث تارة، وبمعنى التقدير أخرى (1)
أما الأول: فيدل عليه أمور:
الأول: قوله تعالى: إِنّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ (2) ولو كان الخلق هو التقدير، لصار معنى الكلام: إنا قدرنا كل شيء. أن الخلق هاهنا ليس هو التقدير، فوجب أن يكون هو الإحداث، ضرورة أنه لا قائل بالفرق.
(1) لفظ «خلق» ورد في «لسان العرب» بعدة معاني قال العلامة ابن منظور: «الخلق في كلام العرب ابتداع الشيء على مثال لم يسبق إليه ... قال أبو بكر من الأنباري: «الخلق في كلام العرب على وجهين: أحدهما الإنشاء على مثال أبدعه. والآخر التقدير. وقال في قوله تعالى (أحسن الخالقين) أحسن المقدرين. كذلك قوله وَتَخْلُقُونَ إِفْكاً أي تقدرون كذبا. وقوله تعالى أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ خلقه تقدير ولم يرد أنه يحدث معدوما.
وقال ابن سيده: خلق اللَّه الشيء يخلقه خلقا أحدثه بعد أن لم يكن.
وقوله عزّ وجلّ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ. قيل معناه دين اللَّه. لأن اللَّه فطر الخلق على الإسلام وخلقهم من ظهر آدم عليه السلام كالذرّ .. وأما قوله تعالى لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ فقد قال قتادة: لدين اللَّه وقيل: معناه أن ما خلقه اللَّه هو الصحيح لا يقدر أن يبدل معنى صحة الدين ...
والخلق: التقدير وخلق الأديم يخلقه خلقا: قدره لما يريد قبل القطع وقاسه ليقطع منه مزادة أو قربة أو خفا.
والخلق: الكذب وخلقه الكذب والإفك يخلقه وتخلّقه واختلقه وافتراه: ابتدعه ومنه قوله تعالى وَتَخْلُقُونَ إِفْكاً. ويقال: هذه قصيدة مخلوقة أي منحولة إلى غير قائلها وخلق الشيء الشيء خلوقا وخلوقة وخلوقة وخلق خلاقة وخلق واخلق إخلاقا واخلولق: بلى ... وشيء خلق: بال .. وأخلق الدهر الشيء: أبلاه ...
والخلق: كل شيء مملّس. وسهم مخلّق أمس مستو.
والخلقة: السحابة المستوية المخيلة للخطر. وخلق الشيء خلقا واخلولق املاسّ ولان واستوى.
والخلوق والخلاق: ضرب من الطيب. وقد تخلق وخلقته: طليته بالخلوق. والخلق: المروءة .. وهو خليق له: أي شبيه ... والخلاق: الحظ والنصيب من الخير والصلاح. يقال: لا خلاف له في الآخرة قال تعالى وَما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ» (لسان العرب - باختصار مادة «خلق» (1243) / (2) - (1248)) وانظر أيضا المفردات في غريب القرآن للراغب الأصبهاني ((157) - (158)) وقاموس القرآن للدامغاني (162). وهكذا فإن معاني الخلق على وجه الاختصار:
(1) - الإيجاد من العدم. وبغير مثال سبق. ولا يوصف إلا اللَّه تعالى بذلك. قال تعالى أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لا يَخْلُقُ وقال عزّ وجلّ هَلْ مِنْ خالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ.
(2) - التقدير. وهو يصل معنى الفعل ومنه قوله تعالى فَتَبارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ وقوله خَلَقُوا كَخَلْقِهِ أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ ...
(3) - الدين والفطرة وأصل الخلق الإنساني كقوله تعالى فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النّاسَ عَلَيْها لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ.
(4) - الكذب والتخرص. ومنه قوله سبحانه إِنْ هذا إِلّا خُلُقُ الْأَوَّلِينَ وقوله وَتَخْلُقُونَ إِفْكاً.
(5) - التصوير. ومنه قوله عزّ وجلّ في تفسير إِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ.
(6) - الجعل قال تعالى وَتَذَرُونَ ما خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْاجِكُمْ أي جعل. - (7) - النطق قالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ أي أنطقكم.
(8) - خلق بمعنى ملس أو املاس ولان واستوى.
(9) - خلق بمعنى بلى.
والراجح أن المعنى الثالث يعود إلى الأول وكذلك الخامس والسادس والسابع. فتكون المعاني على وجه التحديد ستة. أ. ه.
(2) سورة القمر الآية (49).