أن يكون ذلك بإعانة اللَّه، وبترجيح داعيته على ما حققنا هذا الكلام في دليل الداعي. وهو المطلوب. واللَّه أعلم.
الحجة السادسة عشر: لو لم يكن الإيمان بخلق اللَّه، لما حسن من العبد أن يحمد اللَّه على الإيمان. وقد حسن ذلك، فوجب أن يكون الإيمان بخلق اللَّه تعالى. باين الملازمة: بالنص والمعقول. أما النص: فهو أنه تعالى حكم بأن كل من أحب أن يحمد على ما لم يفعل، كان
مذموما. قال تعالى؛ وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِما لَمْ يَفْعَلُوا (1). وأما المعقول. فهو أن الحمد في اللغة عبارة عن مدح الفاعل على الإحسان الذي صدر منه (2). فإذا لم يكن الفعل فعلا له، امتنع مدحه عليه. وإنما قلنا: إنه يحسن من العبد أن يحمد اللَّه على الإيمان: لإطباق الأمة على قولهم: الحمد للَّه على نعمة الإيمان.
فإن قيل: لم لا يجوز أن يقال: إنا بحمد اللَّه على الإيمان، بمعنى: أنه تعالى أعاننا على الإيمان، وأقدرنا عليه، وأرشدنا إلى كيفية تحصيله؟ وأيضا: فمذهب «ثمامة بن الأشرس» (3) إنا لا نحمد اللَّه على الإيمان، بل اللَّه تعالى يحمدنا عليه. كما قال تعالى: فَأُولئِكَ كانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُوراً (4) وقال: وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً. فَإِنَّ اللَّهَ شاكِرٌ عَلِيمٌ (5) وقال: وَما يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ (6).
والحاصل: إنا نحمد اللَّه على الإقدار على الإيمان. واللَّه تعالى يشكرنا على فعل الإيمان.
(1) سورة آل عمران الآية (188).
(2) يفرق الرازي رحمه اللَّه بين الحمد والمدح والشكر في تفسيره لسورة الفاتحة من تفسيره الكبير قائلا: «المدح قد يكون قبل الإحسان وقد يكون بعده. أما الحمد فإنه لا يكون إلا بعد الإحسان ... أما الفرق بين الحمد وبين الشكر فهو أن الحمد يعم ما إذا وصل ذلك الأنعام أو إلى غيرك وأما الشكر فهو مختص بالإنعام الواصل إليك .. » ((218) / (1)). وبعضهم يجعل «الحمد الثناء على الجميل من نعمة أو غيرها باللسان وحده .. » (البحر المحيط لأبي حيان (18) / (1). والنسفي (5) / (1) وابن كثير (22) / (1) والزمخشري (7) / (1) والشوكاني (19) / (1).
وقال ثعلب: الحمد يكون عن يد وعن غير يد. والشكر لا يكون إلا عن يد. ولم يفرق اللحياني بينهما وكذا الأخفش وقال الأزهري: الشكر لا يكون إلا ثناء ليد أوليتها والحمد قد يكون شكرا للصنيعة ويكون ابتداء للثناء على الرجل ... والحمد أعم من الشكر. (انظر لسان العرب مادة حمد (987) / (2)).
(3) هو أبو معن ثمامة بن أشرس النميري من مشايخ المعتزلة وتنسب إليه فرقة «الثمامية» توفي سنة (213) ه. وكان أخذه عن أبي هذيل العلاف. وكان كاتبا بليغا بلغ من المأمون منزلة جليلة وأراده على الوزارة فامتنع. وله من الكتب الحجة والخصوص والعموم في الوعيد، والمعرفة .. الخ. انظر: الفهرست (207)، لسان الميزان (83) / (2)، طبقات المعتزلة (62)، مروج الذهب (420) / (3)، تاريخ بغداد (145) / (7)، ميزان الاعتدال (372) / (1)، الأعلام (86) / (2) وتاريخ التراث العربي (396) / (2). وانظر مذهبه في: الملل والنحل للشهرستاني (70) / (1)، الفرق بين الفرق (172). التبصير (73)؛ والاعتقادات للرازي (41).
(4) سورة الإسراء الآية (19).
(5) سورة البقرة الآية (158).
(6) سورة آل عمران الآية (115).