لامتنع أمره ونهيه ومدحه وذمه. وهذا هو شبهتهم الكبرى، وسيجيء الجواب عنها، إن شاء اللَّه تعالى.
الحجة الرابعة عشر: قوله تعالى حكاية عن موسى - عليه السلام -: رَبُّنَا الَّذِي أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ، ثُمَّ هَدى (1) والمراد من قوله: أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ هو أنه خلق كل شيء.
واعلم: أن هذا النص يجب أن يكون من المحكمات، لا من المتشابهات. ويدل عليه وجهان:
الأول: إن فرعون سأل موسى - عليه السلام - عن هذه المسألة. وموسى - عليه السلام - ذكر هذا الكلام في معرض البيان. وتأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز (2). ولو كانت هذه الآية من المتشابهات، لكان هذا تأخيرا للبيان عن وقت الحاجة، وتمكينا للخصم من الطعن في كلامه، وإظهار فساده. وإنه لا يجوز.
الوجه الثاني في بيان أن هذه الآية، وجميع الآيات التي تمسكنا بها من المحكمات: هو أن الموجود. إما واجب لذاته، وهو اللَّه سبحانه، وإما ممكن لذاته، وهو كل ما سواه. وكل ممكن فإنه مفتقر إلى الواجب. فكل ما سوى اللَّه، فهو مفتقر إلى اللَّه، وموجود بإيجاد اللَّه. وهذا هو تفسير قوله: رَبُّنَا الَّذِي أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ. ثُمَّ هَدى فلما دلت هذه النصوص على أن كل ما سوى اللَّه - سبحانه - فإنما حصل بإيجاد اللَّه. ودل هذا البرهان القاطع القاهر، على صحة هذا المعنى، لم يبق للخاطر فيه مجال. وثبت: أن كل تأويل يذكره الخصم فهو باطل، وأن الحق إجراء هذه النصوص على ظواهرها في هذا الباب. وباللَّه التوفيق.
الفصل الثالث في التمسك بالآيات المشتملة على لفظ «الجعل» وما يجري مجراه
(1) سورة طه الآية (50).
(2) من مسائل أصول الفقه وفيه تفصيلات أنظرها في: التحصيل (421) / (1)؛ البرهان (166) / (1)؛ المستصفى (368) / (1)؛ المنخول (68)؛ نهاية السئول (540) / (2)، الابهاج (215) / (2)؛ شرح تنقيح الفصول (282)؛ الإحكام (54) / (3)؛ منتهى الوصول لابن الحاجب (141)؛ إرشاد الفحول للشوكاني (173) - (175).