تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

أصابني توفيق من اللَّه، وعون من اللَّه. وفلان أصابه خذلان من اللَّه. والمراد من ذلك: التوفيق والعون لتلك الطاعة، أو ما يرجح جانبه على جانب المعصية.

قوله: «لفظ الحسنة والسيئة، بالنسبة إلى المعنيين مشترك، فلم يمكن حمله عليها» قلنا: لا نسلم أنه مشترك، بل متواطئ. وذلك لأن كل ما كان منتفعا به فهو حسنة. ثم إنه إن كان منتفعا به في الآخرة فهو الطاعة، وإن كان منتفعا به في الدنيا، فهو النفع الحاضر. فثبت: أن هذا اللفظ بالنسبة إلى هذين الأمرين متواطئ، لا مشترك، فكان متناولا لكل واحد من القسمين.

قوله: «لو حملنا الحسنة والسيئة هاهنا على الطاعات والمعاصي، لزم التناقض بين أول الآية وبين آخرها» قلنا: لا نسلم. أما قوله تعالى: فَما لِهاؤُلاءِ الْقَوْمِ لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثاً فنقول: وجه تمسك الخصم به: أن المدح والذم لا يصحان، إلا إذا كان العبد موجدا. وسيأتي الجواب عن هذه الشبهة، إن شاء اللَّه تعالى. وأما قوله تعالى: وَما أَصابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ فالجواب عن تمسكهم به من وجوه:

الأول: إنه تعالى قال حكاية عن إبراهيم - عليه السلام - أنه قال: وَإِذا مَرِضْتُ فَهُو

يَشْفِينِ (1) أضاف المرض إلى نفسه، والشفاء إلى اللَّه. ولم يقدح ذلك في إقراره بأن خالق المرض والشفاء، هو اللَّه تعالى. فكذا هاهنا. أضاف السيئة إلينا، والحسنة إلى نفسه. ولا يقدح ذلك في كونه تعالى خالقا للكل.

الثاني: إن أكثر المفسرين. قالوا في تفسير قول إبراهيم - عليه السلام -: هذا رَبِّي (2):

أنه ذكر هذا استفهاما على سبيل الإنكار (3). كأنه قال: هذا ربي؟ فهاهنا يحتمل أن يكون المراد ذلك. كأنه قيل: الإيمان الذي وقع على وفق قصده: من اللَّه. والكفر الذي وقع خلاف قصده: من نفسه. وهذا محال. لأنه لو وقع بإيقاعه، لما وقع إلا ما قصده واختاره. فلما حكمنا بأن الإيمان الذي

(1) سورة الشعراء الآية (80).

(2) سورة الأنعام الآية (76).

(3) راجع كلام الرازي عن ذلك في التفسير الكبير (46) / (13). فله فيها كلام نفيس.

القضاء والقدر · الصفحة ١٧٩

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

القضاء والقدرص ١٧٩