الحجة السابعة: إن اللَّه تعالى أخبر عن أكابر الأنبياء - عليهم السلام - أنهم اعترفوا بأن الكفر والإيمان من اللَّه. فقال حكاية عن إبراهيم - عليه السلام -: اُجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنامَ (1) وقال حكاية عن يوسف - عليه السلام -: وَإِلّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ (2) إلى قوله: فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ (3) وقال حكاية عن موسى - عليه السلام -: إِنْ هِيَ إِلّا فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِها مَنْ تَشاءُ (4) وقال لمحمد صلوات اللَّه عليه وسلامه: وَلَوْلا أَنْ ثَبَّتْناكَ، لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلاً (5) وكل هذه النصوص دالة على أن الإيمان والكفر من اللَّه.
فإن قيل: هذا محمول على فعل الألطاف، أو على الحكم والتسمية. قلنا: سبق الجواب عن الكل، على سبيل الاستقصاء.
الحجة الثامنة: قوله: إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (6) ومجيء ما يجري مجرى هذا اللفظ في القرآن كثير. فنقول: إن فعل العبد شيء، فوجب أن يكون اللَّه قادرا عليه، بحكم هذا النص، فثبت: أن مقدور العبد، مقدور للَّه تعالى، فوجب أن يقع بقدرة اللَّه تعالى. لأنه لو وقع بقدرة العبد، لامتنع على اللَّه تعالى إيقاعه. لأن إيجاد الموجود محال. وذلك يفضي إلى أن العبد
يعجز عن فعله. وذلك محال.
فإن قيل: قوله: إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ عام دخله التخصيص من وجوه: منها:
إن ذات اللَّه وصفاته أشياء، وهو غير قادر عليها (7). ومنها: إن الجواهر - حال بقائها - أشياء.
وهو تعالى غير قادر عليها. لأن إيجاد الموجود محال. ومنها: إن الحركة شيء، ثم إن إيجادها حال حصول ضدها محال. ومنها: إن الجوهر شيء، ثم إن إيجاده حال عدم العرض محال. فثبت:
(1) سورة إبراهيم الآية (35).
(2) سورة يوسف الآية (33).
(3) سورة يوسف الآية (34).
(4) سورة الأعراف الآية (155).
(5) سورة الإسراء الآية (74).
(6) سورة البقرة الآية (20) وغيرها.
(7) هذه الجملة مشعرة بأن اللَّه عزّ وجلّ «غير قادر» بمعنى عاجز. لذا فيجدر التنبيه إلى أن الأولى أن يقال: لا تتناولها القدرة لعدم صحة كونها من مقدورات اللَّه عزّ وجلّ أصلا. وعليه فلا تخصيص. وتبقى الآية عامة في شمولها، أي في شمول القدرة لكل ما هو مقدور وممكن وعمومها مستغرق. وإذا سلمنا التخصيص فإن الباقي بعد التخصيص عام من وجه وخاص من وجه.