الثالث: إنا إن جعلناه حقيقة في التكوين، أمكن جعله مجازا عن الوجدان، لأن العلم بالشيء تابع لحصول المعلوم، فجعل اللفظ حقيقة في الأصل، مجازا في التبع، موافق للعقول.
أما لو جعلناه حقيقة في الوجدان، مجازا في الوجود، لزم جعله حقيقة في التبع، مجازا في الأصل، وإنه على خلاف المعقول.
والوجه الثاني في الجواب: إنا نسلم كون اللفظ، بالنسبة إلى هذين المفهومين. إلا أنا نقول: يجب حمل قوله: أَغْفَلْنا على خلق الغفلة. وذلك لأن العبد يمتنع كونه موجدا لغفلة نفسه. والدليل عليه: أنه إذا حاول إيجاد الغفلة. فإما أن يحاول إيجاد مطلق الغفلة، أو يحاول إيجاد الغفلة عن شيء معين. ولأول باطل. وإلا لم يكن بأن تحصل له الغفلة عن هذا أولى من أن تحصل له الغفلة عن ذاك. لأن الطبيعة الحسنة، نسبتها إلى كل الأنواع على السوية. وأما الثاني. فهو أيضا محال. لأن الغفلة عن كذا عبارة عن غفلة لا تمتاز عن سائر الغفلات، إلا بكونها منتسبة إلى ذلك الشيء المعين، فلا يمكنه أن يقصد إلى إيقاع الغفلة عن كذا، إلا إذا اعتقد كونه غفلة عن كذا. ولا يمكنه أن يعتقد كون هذا الاعتقاد غفلة عن كذا، لا إذا تصور ذلك الشيء. لأن العلم بنسبة أمر إلى أمر، مشروط بتصور كل واحد من المنتسبين.
فثبت: أنه لا يمكنه أن يقصد إلى تحصيل الغفلة عن كذا، إلا مع الشعور بكذا، لكن الغفلة عن كذا مضارة للشعور. فثبت: أن العبد لا يمكنه إيجاد هذه الغفلة، إلا عند اجتماع الضدين. وهذا محال، فوجب أن يكون ذاك أيضا محالا. وإذا ثبت هذا، ثبت أنه لا موجد لغفلات العباد إلا اللَّه تعالى. وهذه نكتة قاطعة عقلية في بيان أن خالق الغفلات هو اللَّه تعالى.
وحينئذ نجعل نص القرآن مؤكدا لهذا البرهان. فثبت أن قوله: وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنا لا يمكن حمله، إلا على خلق الغفلة في القلب.
أما قوله: «لو كان المراد ذلك، لكان الواجب ذكر الفاء، لا ذكر الواو».
فجوابه: إن هذا إنما يلزم لو كان أتباع الهوى من لوازم الإغفال عن ذكر اللَّه، كما أن الانكسار من لوازم الكسر. ومعلوم أنه ليس الأمر كذلك، لأنه لا يلزم من صيرورة الإنسان غافلا عن ذكر اللَّه، صيرورته متبعا للهوى. لاحتمال أن يكون الغافل عن ذكر اللَّه، لا يصير متبعا للهوى. بل يبقى متوقفا، لابثا في حيز الحيرة. فسقط ما قالوه.