أن هذا عام دخله التخصيص. فتصير دلالة هذا العام ظنية.
سلمنا: أن مقدور العبد مقدور للَّه تعالى، فلم قلتم: إنه يجب وقوعه بقدرة اللَّه تعالى، وما ذكرتموه من التعجيز، فهو لازم عليكم. لأنه تعالى إذا خلق شيئا، امتنع عليه أن يخلقه مرة أخرى. فيلزمكم أن تقولوا: إن اللَّه تعالى أعجز نفسه، وهو محال.
والجواب: إنا ذكرنا مرارا: أن هذه الدلائل السمعية ظنية. وأما قوله: «يلزمكم أن اللَّه إذا خلق شيئا، أن يكون قد أعجز نفسه» قلنا: الإعجاز هو أن يصير بحيث لا يمكنه أن يفعل ما كان يمكنه أن يفعل، بسبب منفصل. فالمقدور الواحد، إذا كان مقدورا للَّه تعالى وللعبد.
فإذا فعله العبد، امتنع بهذا السبب أن يفعله اللَّه تعالى، فكان هذا تعجيزا. لأن هذا التعذر إنما جاء بسبب منفصل، بخلاف ما إذا خلق اللَّه ذلك الفعل. فإن التأثير قد حصل منه وبه، فكيف يكون تعجيزا؟.
الحجة التاسعة: قوله تعالى: وَمَا النَّصْرُ إِلّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ (1) ومعلوم أن كون الإنسان منصورا على الغير. إما أن يكون بأفعال الجوارح. كما إذا تصارع رجلان، ثم إن أحدهما يصرع الآخر. أو بالعلم واللسان، كما إذا أغلب أحدهما صاحبه بالحجة والبرهان. فإذا كان النصر لا معنى له إلا ذلك. وكل ذلك فعل العبد، ثم دل هذا النص، على أن النصر ليس إلا من اللَّه، ثبت: أن فعل العبد حاصل بإيجاد اللَّه.
فإن قيل: النصر قد يكون بتقوية القلب، وبالإمداد بالملائكة، وبإزالة الخوف عن القلب. وكل ذلك من اللَّه. قلنا: هب أن ما ذكرتموه يسمى بالنصر، إلا أن الأفعال المؤثرة في الغلبة، لا شك أنها أيضا مسماة بالنصر. فلما قال تعالى: وَمَا النَّصْرُ إِلّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ دخل فيه ما ذكرتم وما ذكرنا. وحينئذ يحصل المطلوب.
الحجة العاشرة: قوله تعالى: أَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ، مُسَخَّراتٍ فِي جَوِّ السَّماءِ. ما يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا اللَّهُ (2) ومعلوم أن وقوف الطير في الهواء، فعل اختياري لذلك الطير. وهذا يدل على أن الأفعال الاختيارية للحيوانات مخلوقة للَّه تعالى.
(1) سورة آل عمران الآية (126).
(2) سورة النحل الآية (79).