الحجة السادسة: قوله تعالى: وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنا (1) وذلك لأن قوله:
أَغْفَلْنا على وزن قوله: أحيينا وأمتنا. فكما أن هذا يفيد خلق الحياة، فكذا قوله: أَغْفَلْنا وجب أن يفيد خلق الغفلة.
فإن قيل: لم لا يجوز أن يقال: المراد بقوله: أَغْفَلْنا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنا إنا وجدنا قلبه غافلا؟. ولا يكون المراد منه: خلق الغفلة. والدليل عليه: ما روي عن عمرو بن معدي كرب الزبيدي، أنه قال لبني سليم: «قاتلناكم فما أجبناكم، وسألناكم فما أبخلناكم، وهجوناكم فما أفحمناكم» أي: ما وجدناكم جبناء، ولا بخلاء، ولا مفحمين.
ثم نقول: حمل هذا اللفظ، على هذا المعنى: أولى. والدليل عليه: أنه لو كان المراد، هو أنه تعالى جعل قلبه غافلا، لوجب أن يقال: ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا. فاتبع هواه.
لأن هذا على هذا التقدير يكون من أفعال المطاوعة. وهي إنما تعطف بالفاء، لا بالواو. ومنه قولهم: كسرته فانكسر، ودفعته فاندفع، ولا يقال: وانكسر واندفع.
والجواب عن الأول من وجهين:
الأول: إن الاشتراك خلاف الأصل، فوجب أن يعتقد أن وزن الأفعال حقيقة في أحدها، مجاز في الآخر. وجعله حقيقة في التكوين، مجازا في الوجدان: أولى من العكس.
ويدل عليه وجوه:
الوجه الأول: إن مجيء هذا البناء بمعنى التكوين أكثر من مجيئه بمعنى الوجدان. والكثرة دليل الرجحان.
الثاني: إن مبادرة الفهم إلى التكوين، أكثر من مبادرته إلى الوجدان. أعني: من هذا اللفظ، ومبادرة الفهم دليل كونه حقيقة فيه.
(1) سورة الكهف الآية (28).