تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الحجة الثانية: قوله تعالى في آخر هذه الآية: وَتُبْ عَلَيْنا. إِنَّكَ أَنْتَ التَّوّابُ الرَّحِيمُ (1) ولو كانت التوبة بخلق العبد، لكان طلبها من اللَّه جاريا مجرى أن يقول العبد:

يا إلهي افعل ما أنا فاعله.

فإن قيل: هذا معارض بما أن اللَّه تعالى طلب التوبة منا. فقال: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحاً (2) ولو كانت التوبة فعلا للَّه تعالى، لكان طلبها من العبد محالا. ولما ثبت التعارض، وجب التوفيق بينهما. فنحمل قوله تعالى: وَتُبْ عَلَيْنا على التوفيق، وفعل الألطاف، أو على أن اللَّه تعالى يقبل التوبة من العبد.

والجواب: الترجيح معنا. لأن دليل العقل يقوي قولنا: إن التوبة لا تحصل إلا بخلق اللَّه تعالى. وبيانه من وجهين:

الأول: إنا أقمنا الدلائل القاهرة على أن القادر يمتنع أن يصدر عنه الفعل إلا عند حصول الداعي، وأقمنا الدلائل القاهرة على أن عند حصول الداعي المرجح يجب الفعل. إذا ثبت هذا فنقول: إنه تعالى عند ما لم يخلق للعبد داعية إلى التوبة، امتنع صدور التوبة عنه، ولما خلق فيه تلك الداعية، وجب صدور التوبة عنه. وعلى هذا التقدير تكون التوبة إنما حصلت بتحصيل اللَّه تعالى. إما بواسطة، أو بغير واسطة.

الوجه الثاني في بيان أن التوبة يمتنع حصولها إلا بتخليق اللَّه تعالى: أن نقول: التوبة عبارة عن مجموع أمور ثلاثة مترتبة بعضها على البعض. وتلك الثلاثة هي: العلم، والحال،

والعمل (3). فالعلم أول، والحال ثاني - وهو معلول العلم - والعمل ثالث - وهو معلول الحال.

أما العلم فهو معرفة ما في الذنوب من المضار، ثم يتولد من هذه المعرفة تألم القلب بسبب فوت المنفعة، ونزول المضرة. ثم يتولد من ذلك الألم أحوال عملية، لها تعلق بالحال والماضي والمستقبل. وأما تأثيره في الحال. فبأن يترك ذلك الذنب، الذي كان ملابسا له. وأما تعلقه بالماضي.

(1) سورة البقرة الآية (128).

(2) سورة التحريم الآية (8).

(3) قارن هذا بكلام الإمام الغزالي رحمه اللَّه في إحياء علوم الدين (2080) /

(4) فقد فصل هذه الأمور الثلاثة. والذي يبدو أن الرازي قد أخذ عنه هذا التقسيم لتقارب العبارات بينهما. والغزالي قد توفي قبل وفاة الرازي بما يقارب المائة سنة.

القضاء والقدر · الصفحة ١٥٥

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

القضاء والقدرص ١٥٥