تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فبأن يتلاقى ما فات بالقضاء، إن كان قابلا للقضاء. وأما تعلقه بالمستقبل. فبالعزم على ترك ذلك العمل إلى آخر العمر.

فالعلم هو الأول. وهو مطلع هذه الخيرات. وأعني بهذا العلم: اشتمال الذنوب على المضار العظيمة، ويجب أن يكون هذا الإيمان يقينيا متأكدا، خاليا عن الشكوك والشبهات، وإلا لم يكن علما، بل يكون ظنا. غير أن ذلك اليقين إذا استولى على القلب، أوجب تألم القلب.

وذلك العلم يوجب الأمور الثلاثة، بحسب الأزمنة الثلاثة.

إذا عرفت هذا فنقول: الاعتقاد الجازم في كون الذنب، سببا لحصول المضار العظيمة يوجب النفرة عن الذنوب. وهذه النفرة توجب الترك في الحال، والعزم على الترك في المستقبل.

فترتب كل واحد من هذه المراتب على ما قبله، ترتب ضروري واجب بالذات، فلا يمكن للعبد فيه مكنة واختيار.

بقي أن يقال: الداخل تحت التكليف هو تحصيل ذلك العلم. لكنا بينا بالبراهين القاهرة: أن تحصيل العلم ليس مقدورا للعبد. فثبت بما ذكرنا: أن حصول التوبة ليس إلا من اللَّه تعالى. ولما ثبت أن مذهبنا تقوى بالدلائل العقلية، كان مذهبنا أولى من مذهبكم. وباللَّه التوفيق.

الحجة الثالثة: قوله تعالى: فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ (1) وقوله: رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاةِ، وَمِنْ ذُرِّيَّتِي (2) ووجه الاستدلال: أنه أظهر الرغبة إلى اللَّه تعالى في أن يجعل هوى الناس إلى «مكة».

والعقل أيضا يدل عليه. لأن تحصيل الإرادة في القلب، إن كان من العبد، لافتقر فيه إلى إرادة أخرى، ولزم التسلسل. وإن كان من اللَّه تعالى فهو المطلوب. وكل ذلك تصريح بأن أفعال العباد مخلوقة للَّه سبحانه.

الحجة الرابعة: قوله تعالى: وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا (3) فإن قيل: عليه الأسئلة التي تقدم

(1) سورة إبراهيم الآية (37).

(2) سورة إبراهيم الآية (40).

(3) سورة مريم الآية (6).

القضاء والقدر · الصفحة ١٥٦

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

القضاء والقدرص ١٥٦