حبتان. ويقال: كل هذا الثور أبيض، وإن كان ربما حصلت شعور قليلة غير بيض في
جلده. ولا ننكر أن أفعال العباد، بالنسبة إلى جميع مخلوقات اللَّه تعالى، كالقليل بالنسبة إلى الكثير، فلم لا يجوز أن يكون المراد من قوله: «خالق كل شيء»: ما سوى أفعال العباد (1)؟.
لا يقال: لفظ الكل حقيقة في الاستغراق. لأنا نقول: هذا مدفوع من وجهين:
الأول: لا نسلم أن لفظ «كل» مجاز في الأغلب. فما الدليل عليه؟ الثاني: سلمنا أنه كذلك، إلا أنه مجاز متعارف مشهور. فالقول بأنه لا يجوز حمل هذا اللفظ على مثل هذا المجاز، لا يفيد إلا الظن. وهذه المسألة قطعية. والدليل الظني لا يجوز التمسك به في المسألة القطعية.
وعلى هذا الحرف تعويل أهل السنة والجماعة، في الجواب عن استدلال المعتزلة بالعمومات في مسألة الوعيد.
سلمنا: أن لفظ «كل» يفيد العموم. إلا أن هذه الآية عام، دخله التخصيص، فوجب أن لا يكون حجة. إنما قلنا: إنه عام. دخله التخصيص، لأنه تعالى شيء. ويمتنع أن يكون خالقا لنفسه. لا يقال: لا نسلم أن هذه الآية قد دخلها التخصيص. وبيانه من وجهين:
الأول: لا نسلم أن اسم الشيء يقع على اللَّه تعالى. ويدل عليه وجوه:
الأول: قوله تعالى: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ (2) والكاف معناه: المثل. فصار تقدير الآية:
(1) أعلم أنه حتى على مذهب من جعل اَللّاهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ غير مستغرقة فإن القسم غير المستغرق لا يعني مطلقا أنه خاص بأفعال العباد. وإثبات ذلك يقتضي دليلا مستقلا آخر ومخصصا. وهو ما لا يستطيعون إثباته.
(2) سورة الشورى الآية (11). وللمفسرين في تفسير هذه الآية أقوال:
الأول: المراد بذكر المثل المبالغة في النفي بطريق الكناية. فإنه إذا نفي عمن يناسبه كان نفيه عنه أولى. كقولهم: مثلك لا يبخل وغيرك لا يجود. والكناية باب مسلوك للعرب ومهيع مألوف لهم ومنه قول الشاعر:
ليس كمثل الفتى زهير ... خلق يوازيه في الفضائل
وقال آخر:
سعد بن زيد إذا أبصرت فضلهم ... فما كمثلهم في الناس من أحد
وقال آخر:
على مثل ليلى يقتل المرء نفسه ... وإن بات من ليلى على اليأس طاويا
وقال ابن قتيبة: العرب تقيم المثل مقام النفس. فتقول: مثلي لا يقال له هذا أي أنا لا يقال لي». فالمراد من «مثله» ذاته. وإذا نفي عمن يسد مسدّه فقد نفي عنه.
القول الثاني: الكاف زائدة للتوكيد. والمعنى ليس مثله شيء. وقال العكبري في «التبيان في إعراب القرآن»: إنها لو لم تكن زائدة لأفضى ذلك إلى المحال إذ يكون المعنى: إن له مثلا وليس لمثله مثل. وفي ذلك تناقض. لأنه إذا كان له مثل فلمثله مثل، وهو هو مع أن إثبات المثل له سبحانه محال.
القول الثالث: «مثل» زائدة. ورجحه الطبري وذلك كالكاف في قوله: فأصبحت مثل كعصف مأكول. وقوله: «صاليات ككما يوثفين» وقال أبو حيان في «البحر المحيط»: ليس بجيد لأن مثلا اسم والأسماء لا تزاد بخلاف الكاف فإنها حرف فتصلح للزيادة». وذكر الزمخشري قول الطبري ولكنه صدره بقوله: ولك أن تزعم ... » وقال بأن «مثل» زائدة أيضا ثعلب وغيره. ومثلوا له بقوله تعالى: فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ ما آمَنْتُمْ بِهِ وبقول الشاعر (أوس بن حجر):
وقتلي كمثل جذوع النخي ... ل يغشاهم مطر منهمر
وهكذا فإن التقدير يكون (ليس كهو شيء) أو (ليس كاللَّه شيء). وقد رد هذا القول أيضا العكبري. - - القول الرابع: قال ابن كثير: ليس كخالق الأزواج كلها شيء لأنه الفرد الصمد الذي لا نظير له.
القول الخامس: المراد بالمثل: الصفة. وسوّغه أبو حيان والمعنى ليس كصفته شيء.
راجع: الكشاف (399) / (3)؛ تفسير الطبري (12) / (25)؛ تفسير النسفي (101) / (4) - (102)، تفسير ابن كثير (108) / (4)؛ تفسير الفخر الرازي (150) / (27) - (153)؛ البحر المحيط (تفسير أبي حيان الأندلسي) (510) / (7)؛ تفسير البيضاوي بحاشية الشهاب الخفاجي (412) / (7) - (413)؛ فتح القدير للشوكاني (528) / (4)؛ التبيان في إعراب القرآن للعكبري (1131) / (2)؛ تأويل مشكل القرآن لابن قتيبة ص (250).