الثاني: هب أن كونه تعالى خالقا لأفعال العباد، عبارة عن كونه تعالى مقدرا لها إلا أن التقدير عبارة عن إيقاع ذلك الفعل في زمان مخصوص، ومحل مخصوص، على وجه مخصوص.
وهذا المعنى لا يتأتى إلا ممن كان محدثا للفعل. فلما ثبت بهذا النص: أنه تعالى مقدر لأفعال العباد، وثبت بالعقل: أن مقدر الأفعال يجب أن يكون موجدا لها، لزم من مجموع الأمرين كونه تعالى موجدا لأفعال العباد. لأنا نقول:
أما الأول. فجوابه: إن التقدير عبارة عن إيقاع الفعل على قدر مخصوص. وهذا المعنى لا يحصل إلا بالعلم أو الظن. ثم إن كان العلم حاصلا، كما في حق اللَّه تعالى، فلا حاجة إلى الفكرة، وإن لم يكن حاصلا كما في حق العبد. فهناك يحتاج إلى الفكرة لتحصيل ذلك العلم. أو ذلك الظن.
وأما السؤال الثاني: فجوابه: أن نقول: إنه تعالى مقدر لأفعال العباد. بمعنى أنه تعالى
حاكم بوقوعها على تلك المقادير، كما يقال: فلان يكفر فلانا، أو يضلله. إذا حكم بكفره وضلاله. سلمنا: أن الخلق هو الإحداث. لكن لم قلتم: إن الآية تتناول أفعال العباد؟ ولا نسلم أن لفظة «كل» تفيد الاستغراق. وبيانه: إن لفظة «كل» كما تستعمل في الاستغراق، فقد تستعمل أيضا في الأكثر الأغلب (1). يقال: أكلت كل هذه الرمانة، وإن كان ربما تساقط منها حبة أو
(1) استدلال فاسد. وقياس أكثر فسادا. أما كونه فاسد فلأنك إذا قلت: أكلت كل هذه الرمانة فإنك لم تقل أكلت كل حبات هذه الرمانة. وإذا انصرف العموم إلى كل أجزاء الرمانة حقيقة فما قولك في القشور واللباب التي لم تؤكل؟ أ لم تكن من الرمانة؟ فالمثال نفسه فاسد للدلالة على العموم. وفيه تلبيس ظاهر. وإذا لم تكن أقوى صيغ العموم - وهي «كل» تفيد الاستغراق تحول العموم في النهاية إلى خصوص! لكن هذا الخصوص أغلبي. وما قولهم إذا في آيات مثل: كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ كُلُّ مَنْ عَلَيْها فانٍ كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلّا وَجْهَهُ أ هو أيضا أغلبي؟.
أما القياس الفاسد فهو أنهم قاسوا «أكلت كل هذه الرمانة» على «اللَّه خالق كل شيء» واعتبروا أن الثانية مثل الأولى غير مستغرقة وهي للجمع الأغلب. وهو قياس فاسد إذ ليس من شيء - سوى اللَّه عزّ وجلّ - غير مخلوق للَّه سبحانه. وإلا لكان إما خالقا أو غير مخلوق للَّه وإنما هو مخلوق لغيره. وكلاهما باطل وفيهما شرك ظاهر قطعا. ثم كيف نميز بين ما هو أغلبي وما هو مستغرق؟.
والأصوليون - علماء أصول الفقه ومنهم الرازي - حين تحدثوا عن صيغ العموم - ومنها «كل» - اعتبروها مستغرقة. والخلاف المنقول ينطبق على الأحكام أكثر مما ينطبق على العقائد القاطعة. وقد جعل الإمام الغزالي رحمه اللَّه صيغ العموم خمسة أنواع والنوع الخامس منها هو الألفاظ المؤكدة كقولهم: كل وجميع وأجمعون وأكثرون. ثم قال: «اعلم أن الناس اختلفوا في هذه الأنواع الخمسة على ثلاثة مذاهب فقال قوم يلقبون بأرباب الخصوص أنه موضوع لأقل الجمع وهو إما اثنان وإما ثلاثة. وقال أرباب العموم هو للاستغراق بالوضع إلا أن يتجوز به عن وضعه. وقالت الواقفية لم يوضع لا لخصوص ولا لعموم بل أقل الجمع داخل فيه لضرورة صدق اللفظ بحكم الوضع وهو بالإضافة إلى الاستغراق للجميع أو الاقتصار على الأقل أو تناول صنف أو عدد بين الأقل ولاستغراق مشترك يصلح لكل واحد من الأقسام ... ومذاهب الواقفية أن جميع هذه الألفاظ مشتركة ولم يبق منها شيء للاستغراق حتى «كل» و «كلما» و «أيّ» و «الذي» و «من» و «ما» (المستصفى (35) / (2) - (37)).
أما كلام الإمام الشاطبي رحمه اللَّه في الموافقات أنه «لما كان قصد الشارع ضبط الخلق إلى القواعد العامة وكانت العوائد قد جرت بها سنة اللَّه أكثرية عامة. وكانت الشريعة موضوعة على مقتضى ذلك الوضع كان من الأمر الملتفت إليه إجراء القواعد على العموم العادي لا العموم الكلي التام الذي لا يختلف عنه جزئي ما» (الموافقات (265) / (3)) فإنه محمول على التكاليف الشرعية.
وبعض العلماء من أصحاب الخصوص يقولون بأن الصيغ الموضوعة للجمع نصوص في أقل الجمع مجملات فيما عداه إذا لم يثبت قرينة تقتضي تعديتها إلى أعلى الرتب. وأما الفقهاء فقد قال جماهيرهم الصيغ الموضوعة للجمع نصوص في الأقل ظواهر فيما زاد عليه. لا يزال اقتضاؤها في الأقل بمسالك التأويل وهي فيما عدا الأقل ظاهرة مؤولة» (الجويني - البرهان في أصول الفقه (321) / (1)). وانظر في هذه المسألة: ابن حزم في الاحكام في أصول الأحكام ((8) / (4)) فقد قال باستغراق ألفاظ العموم. والآمدي أيضا في الاحكام في أصول الأحكام (222) / (2) قال بذلك» وكذا الأرموي في «التحصيل من المحصول» ((345) / (1)) والبصري في المعتمد ((189) / (1) و (194) .. ) والقرافي في شرح تنقيح الفصول ص (179)؛ وفواتح الرحموت ((255) / (1)) وهو للعلامة عبد العلي الأنصاري، وكذا أيضا الشوكاني في إرشاد الفحول (ص (115) و (117))، ومنتهى الوصول والأمل لابن الحاجب ص (103)، واللمع للشيرازي ص (27)؛ وروضة الناظر لابن قدامة (ص (96)) والمحصول للرازي (367) / (1).
واعلم بأن السياق قد يفيد الاستغراق ويؤكده لفظ «كل». فقد ظهر لك الفرق بين «كل هذه الرمانة» و «كل شيء».