نص ما ذكره القشيري: «ومن المشهور أن عمرو بن عثمان المالكي، رأى الحسين بن منصور الحلاج يكتب شيئاً، فقال: ما هذا؟ فقال: هو ذا أعارض القرآن فدعا عليه».
والقشيري لم يذكر هذا انتقاصاً من مقام الحلاج، وإنما ذكره تأئيداً لما يهدف إليه الصوفية، وهو استعباد قلوب أتباعهم لأهوائهم، ألا تراه يقرر أن الحلاج لم يحل به القتل إلا من دعاء شيخه عليه، لا لأنه كان يعارض القرآن، فغضب الله عليه!!
ثم يردف ألا تراه يرويه في باب «حفظ قلوب المشايخ»؟!
وكذا يقول القشيري في رسالته: «من رضي عنه شيخه لا يكافأ في حال حياته؛ لئلا يزول عن قلبه تعظيم ذلك الشيخ، فإذا مات الشيخ أظهر الله عز وجل عليه ما هو جزاء رضاه، ومن تغير عليه قلب شيخه لا يكافأ في حال حياة ذلك الشيخ، لئلا يرق له، فإنهم مجبولون على الكرم، فإذا مات ذلك الشيخ، فحينئذ يجد المكافأة بعده».
ويعلق الشيخ الوكيل على قول القشيري: «ومن خالف شيخه لم يبق على طريقته، ومن صحب شيخاً من الشيوخ ثم اعترض بقلبه، فقد نقض عهد الصحبة، ووجبت عليه التوبة، على أن الشيوخ قالوا: حقوق الأستاذين لا توبة عنها». انظر (ص 150، 151) من الرسالة للقشيري قائلاً: «أرأيت إلى القشيري كيف يقرر وجوب التوبة حتى على من همس في قلبه اعتراض على شيخه».
هذا قول القشيري، أما ابن حجر الهيتمي فيقول: «ويتعين على المريد الاستمساك بهدي الشيخ، والدخول تحت جميع أوامره ونواهيه ورسومه حتى يصير كالميت بين يدي الغاسل يقلبه كيف يشاء» (1).
على أن مجمل آداب المريد عند الرطبي هو: عدم الاعتراض على الشيخ ولو كان ظاهره أنه حرام، ولا يزور ولياً ولا صالحاً إلا بإذنه، ولا يحضر مجلس غيره، ولا يسمع من سواه، ولا يجيب أحداً دعاه، وإن كان أحد والديه، ولا ينظر في وجه الشيخ، ولا يكلمه إلا همساً، ولا يسبح بسبحته، ولا يتوضأ بأبريقه، ولا يسافر، ولا يتزوج ولا يفعل فعلاً من الأمور المهمة إلا بإذنه، ولا يستدبره بظهره ولو في الصلاة، ولا يشير عليه برأي، وأن يلاحظه بقلبه في جميع أحواله سفراً وحضراً لتعمه بركته، وأن يؤمن أن كل بركة حصلت له من بركات الدنيا والآخرة فإنما هي من بركات الشيخ، وإذا قال له: افطر وهو صائم وجب عليه الفطر، وألا يرد على شيخه كلاماً، وإن كان الحق من المريد (2).
عبودية أعان على مهانتها الشيطان، وصغار ذليل يعافه حتى حقير الحيوان، وقد نظم هذه الآداب المزعومة الشيخ مصطفى البكري في أرجوزته «بلغة المريد» فقال:
(1) ص 57 الفتاوى الحديثة.
(2) (ص 74) وما بعدها الرسائل الميرغنية.