نور من القرآن
إذا كان من أبرز معالم المنهج الذي اختطه الوكيل وارتضاه لنفسه في الكتابة وسار عليه، هو أنه يبسط أراء التصوف نفسه كما بثها كبار شيوخه، وكما دافعوا عنها، ثم يترك للقارئ الحكم، وحسبه أن يقارن بين أصول الإسلام وبين أراء التصوف، على أنه قد يعين القارئ أحياناً كثيرة بتذكيره بأدلة هذه الأصول من آيات القرآن الكريم، وأحاديث السنة الصحيحة.
فإننا نجد ذلك واضحاً جلياً في ما كتبه تحت عنوان: «نور من القرآن»؛ إذ عقد - رحمة الله عليه - مقارنة بين هدى الله في كتابه الحق، وبين ما تدعيه الصوفية، ليعرف حقيقة النور من يخبط في تيه الظلام، ويدرك الحق من دوخه الباطل، وينعم بالتوحيد من شقي بالشرك.
وقد بدأ المقارنة (1) بقول الله تبارك وتعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ الله الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مَا مِنْ شَفِيعٍ إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ ذَلِكُمُ الله رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (3) إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا وَعْدَ الله حَقًّا إِنَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ [يونس: 3، 4].
ثم عقب بعد ذلك بما تزعمه الصوفية فقال: «يقول سبحانه: إنه خلق السموات والأرض، فتقول الصوفية: لا، بل هو عين السموات والأرض، وما فيهن من دابة.
ويقول سبحانه: إنه يدبر الأمر، فتصرخ الصوفية مينٌ وبهتان فنحن الذين يدبرون الأمر له، وقول الله: ذلكم الله ربكم فاعبدوه، فيضج طاغوت منهم ليقول: لا، بل أنا الله لا إله إلا أنا.
ويقول جل شأنه: إليه مرجعكم جميعاً، وتزعم الصوفية أن معنى الرجوع هنا أن تعود الذات المتكثرة إلى وحدتها، فتعود حقاً بعد أن كانت خلقاً!!
ويستمر الشيخ في المقارنة، فيذكر قوله تبارك وتعالى: ﴿في بطون أمهاتكم خلقاً من بعد خلق في ظلمات ثلاث ذلكم الله ربكم له الملك لا إله إلا هو فأنى تصرفون﴾.
ثم يقول: وتزعم الصوفية أن ربها هو ذلك الخلق المتطور في ظلمات ثلاث «العماء» «الأحدية» «الواحدية».
ونجده - رحمه الله - بعد أن يذكر قوله تبارك وتعالى: ﴿فَاطِرُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَمِنَ الْأَنْعَامِ أَزْوَاجًا يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (11)﴾ [الشورى: 11].
يعقب بقوله: «وتزعم الصوفية أن الله هو الذي جعل نفسه أزواجاً، فبدأ حقاً في صورة خلق أو إلهاً في صورة عبد».
وينهي حديثه قائلاً: إن الصوفية كما ذكرتك تقول: «بل هو عين كل شيء».
وتقول أيضاً على لسان ابن عربي والغزالي وغيرهما: «بل هو عين كل سميع وعين كل بصير».
(1) كتاب هذه هي الصوفية: للشيخ عبدالرحمن الوكيل (ص 83، 84).