خاتم الأولياء
تبين لنا فيما سبق أن:
أصل الولاية المحبة والقرب، وضدها العداوة التي تستلزم البغض والبعد، والولي هو من والى الله بالطاعات وبتنفيذ أوامره وترك نواهيه.
وإذا كانت الولاية الشرعية تابعة لتنفيذ الأوامر والنواهي الشرعية بمعنى أن يعبد الله بما شرع وبما أمر، فينبغي أن يعلم أن أكثر المسلمين التزاماً وطاعة، وبالتالي أفضل المسلمين وأقربهم إلى الله هم جيل الصحابة، هذا فيما يختص بالأمة الإسلامية، وأفضل من والى الله بطاعته مطلقاً من خلقه عامة هم الأنبياء، وأفضل الأنبياء هم المرسلون، وأفضل المرسلين هم أولي العزم منهم، وأفضل أولي العزم خاتمهم محمد صلى الله عليه وسلم، ذلك أصل ينبغي أن يستقر في قلب كل مؤمن وأن يعتقده اعتقاداً جازماً لا يلحقه ريب، ذلك أن محمداً صلى الله عليه وسلم سيد ولد آدم، وإمام جميع الأنبياء إذا اجتمعوا (1).
هذا في حين تأخذ الولاية عند الصوفية معنى خاصاً اصطلاحياً يتميز به عن المعنى العام المشار إليه فيما سبق، ولا نجد فيما بين أيدينا من مراجع صوفية حديثاً عن الولاية قبل الحكيم الترمذي في كتابه «ختم الأولياء»، وهو أول من تكلم عن الولاية وعن ختم الأولياء وصاغ من الحديث عنها نظرية كان لها أثرها الكبير في كل من تحدث عنها بعده من الصوفية، إلى أن وصلت هذه الفكرة إلى ابن عربي، فجعل منها مذهباً خاصاً في التصوف صاغه في ثوب رمزي من المصطلحات التي ينفرد بها ابن عربي في «الفصوص والفتوحات» على ضوء مذهبه في وحدة الوجود (2) وابتداء من الحكيم الترمذي نجد لفظ الولاية والولي يأخذ معنى رمزياً يبتعد به عن المعنى العام له.
وخلاصة القول عن خاتم الأولياء عند الحكيم الترمذي: أنه أفضل الأولياء، وذلك على ضوء نظريته في الحقيقة المحمدية، وهذا الرأي يناقض النصوص الصحيحة عن الرسول صلى الله عليه وسلم في فضل السابقين كأبي بكر وعمر وباقي الخلفاء الأربعة إذ هم خيار الأمة.
وقد تصدى الشيخ الوكيل رحمه الله لهذا الفهم الباطل والقول الخاطئ الذي جر الصوفية إلى الاعتقاد الذي يجعل خاتم الأولياء أفضل من خاتم الأنبياء والذي نادى به الحكيم الترمذي وابن عربي.
فكتب فصلاً في كتابه «هذه هي الصوفية» (3) يكشف فيه عوارهما، نذكر لك جانباً منه يقول فيه حاكياً عقيدتهم في الولاية والأولياء:
(1) من قضايا التصوف، تأليف: أ. د محمد السيد الجليندي (ص 199).
(2) من قضايا التصوف، تأليف: أ. د محمد السيد الجليندي (ص 211).
(3) «هذه هي الصوفية» (ص 155، 156، 157، 158).