تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

لكن لو رأَى شابًّا فربما يَسخَر به، إذَنْ هنا السُّخْرية مُنصَبَّة على الشخص، مُغلَّبٌ فيها جانِبُ الشَّخصية فهذا لا يَكفُر؛ لأنه لم يَكرَه الحُكْم، لكن كرِهَ هذا الذي قام بالحُكْم.

والثاني: أن يَكرَه الحُكْم الشرعيَّ، ويَسخَر بالحُكْم الشرعيِّ فهذا كافِر؛ ولهذا قال تبارك وتعالى: ﴿قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ﴾ [التوبة: ٦٥]، ولم يَقُل: والمُؤمِنين. فالرسولُ - ﷺ - مَعلومٌ، أيُّ إنسانٍ يَسخَر به فهو كافِر، حتى وإن كان قد غلَّب الجانِبَ الشخصيَّ؛ لأن الرسول مُشرِّع عليه الصلاة والسلام، فكلُّ شيء صدَر منه فهو تَشريع، لكن الذي يَصدُر من غير الرسول - ﷺ -، إن كان مَحلَّ ثِقةٍ عند الناس اعتَبَروه حُكْمًا شَرْعيًّا ولم يَسخَروا به، وإن كان غيرَ ثِقَة سخِروا به مُغلِّبين جانب الشخصية؛ لأنهم مثَلًا لا يَثِقون به الثِّقَة التامَّة، أو يَرَوْن أنه مُتزَمِّت، أو مُتَنطِّع، أو ما أَشبَه ذلك.

وهذه المَسأَلةُ يَجِب على الإنسان أن يُدرِك الفَرْق بين الأمرين؛ لأن هذه المَسائِلَ دقيقة جِدًّا.

ولهذا ذكَر شيخ الإسلام (١) رحمه الله أن الإمام أحمدَ رحمه الله يُكفِّر الجَهْمية، لكن لا يُكفِّر أعيانهم؛ لأنَّ هناك فرقًا بين التَّكفير باعتبار الحُكْم والتَّكفير باعتِبار الشخص.

ومِن ثَمَّ نُحذِّر طلَبة العِلْم من التَّسرُّع في التكفير الشخصيِّ العَيْنيِّ؛ لأنَّ المسألة ليست هَيِّنةً، فلو كفَّرْت شخصًا والله عز وجل لم يَحكُم بكُفْره عاد التَّكفير إليك، وصار يُخشَى عليك من الضلال، ولو في المُستَقبَل إذا لم تَتُبْ.

(١) مجموع الفتاوى (٢٣/ ٣٤٨).

تفسير العثيمين: الزمر · الصفحة ٤٠٦

النص من موقع تراث (الأصل). الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تفسير العثيمين: الزمرص ٤٠٦