ولهذا يَقول عز وجل: ﴿لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ قال رحمه الله: [بخِلافِ مَنْ لَيْس كذلِكَ]، فقَوْله سبحانه وتعالى: ﴿وَذَكَرَ اللَّهَ﴾ الواو هنا حَرْف عَطْف و﴿وَذَكَرَ﴾ مَعطوف على ﴿لِمَنْ كَانَ يَرْجُو﴾ يَعنِي: ولمِن كان ذَكَر اللَّه عز وجل، أو مَعطوفة على ﴿كَانَ﴾، أي: لمَن كَان ولمَن ذكَر، فمَعطوفة على ﴿كَانَ﴾؛ لأن الفِعْل الماضي يُعْطَف على الفِعْل الماضِي، وأيضًا إذا جَعَلْته مَعطوفًا على ﴿كَانَ﴾ اتَّضَح المَعنَى أكثَرَ، فقَولُه تعالى: ﴿لِمَنْ كَانَ يَرْجُوا اللَّهَ﴾ هذا عمَل قَلْبيٌّ، وقولُه تعالى: ﴿وَذَكَرَ اللَّهَ﴾ عمَلُ جَوارحَ، فيَكون مَعطوفًا على ﴿كَانَ﴾.
وقوله: ﴿وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾: ﴿كَثِيرًا﴾ هذه مَفعول مُطلَق، أي: ذِكْرًا كثيرًا، وذِكْر اللَّه عز وجل يَكون بالقَلْب وباللِّسان وبالجوارحِ:
فيَكون بالقَلْب بأن يَتَفَكَّر الإنسان في آيات اللَّه تعالى، وفي أسمائه وصِفاته، ويَكون بالجوارِح باللّسان كالتَّسبيح والتَّهليل والتَّحميد، وما أَشبَه ذلك، ويَكون بالجَوارِح غيرِ اللِّسان مثل: الصلاة فيها رُكوع وسُجُود وقِيَام وقُعود وهي ذِكْر، فالذِّكْر إذَنْ يَكون في القَلْب وفي اللِّسان وفي الجوارِح.
والإنسان العاقِل الحازِم المُؤمِن لا يَزال يَذكُر اللَّه سبحانه وتعالى؛ لأن في كل شَيْء من مخَلوقاته آيةً تَدُلُّ على وَحْدانيَّته سبحانه وتعالى وعلى حِكْمته، فأيَّ شَيءٍ تُشاهِد من هذا الكَوْنِ فسيُذكِّرُكَ باللَّه عز وجل.
كذلك بالنِّسبة لأَعمالك إذا كُنتَ حَازِمًا فإنك تَستَطيع ألَّا تَعمَل عمَلًا إلَّا كان عِبادة، والإنسان الحازِم يَجعَل من العادات عِباداتٍ، والإنسان الغافِل يَجعَل من العِباداتِ عاداتٍ، فإذا كان الإنسان حازِمًا، فإنه لن يَضيع عليه لحظةٌ من عُمرهِ إلَّا ولا بُدَّ أن يَستَغِلَّها في ذِكْر اللَّه سبحانه وتعالى.