ومصداق ذلك ما وصلت إليه أسرة البرامكة في العصر العباسي الأول من نفوذ، وقد كانت هذه الأسرة إيرانية عريقة يعود أصلها إلى مدينة بلخ، وقد بدأ ظهور أفرادها في عهد المنصور، فظهر منهم خالد بن برمك الذي يرجع إليه الفضل في تثبيت النفوذ العباسي في منطقة خراسان وفي إيران كلها، وتتابع نفوذهم في عهد المهدي وسيطروا على الحياة السياسية في عهد الرشيد، فلم يتولوا منصب الوزارة فحسب، إنما تولوا جميع المناصب الإدارية والعسكرية، بل ظهر نفوذهم في الحياة الأدبية كما ينسب إليهم أنهم قاموا بكثير من الإصلاحات الإدارية، وعملوا على إحياء التقاليد الإيرانية(3) ، وعلى الرغم من أن العنصر العربي استطاع أن يظهر نفوذه قبل أن يختفي في نكبة البرامكة(4) ، وفي ولاية الأمين الخلافة، وفي عزل المأمون من ولاية العهد، فإن النفوذ الإيراني في الحياة السياسية بدأ يعود من جديد في صورة أقوى في عهد المأمون، ولم يكن النزاع بين الأمين والمأمون إلا نزاعاً بين النفوذين العربي والفارسي، وكان المأمون قد اتخذ خراسان مركزاً لنفوذه وكاد أن يجعل من مدينة مرو عاصمة للدولة العباسية، بل إن مبايعته(5) لعلي الرضا وهو الإمام الثامن لدى الشيعة بولاية العهد، كانت استجابة منه لشعور الإيرانيين، وكان انتصار المأمون تأكيداً للنفوذ الإيراني، والدليل على هذا ما تولاه الإيرانيون في عهد المأمون وبعده بقليل كالنفوذ الذي تولاه طاهر بن الحسين الذي أسس الدولة الطاهرية، وقد ظهر بنو سهل في العراق في عصر المأمون(1) وكان العباسيون إزاء هذه العناصر الصاعدة يرسمون لأنفسهم سياسة بعيدة الغور، لم يتخلوا عن تطبيقها طوال العصر العباسي الأول كانت هذه السياسة قائمة على أن يشارك هؤلاء الإيرانيون، العباسيين نفوذهم وسلطانهم وينالوا من السلطة ما طاب لهم، لكن داخل إطار محدود لا يسمح لهم بتجاوزه(2) وإلا فإن مصيرهم هو العزل والمصادرة والقتل وكانوا يسمحون لهم بذلك في
منوعات · الصفحة ٢٨٠٢
النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.
منوعاتص ٢٨٠٢
إعدادات القراءة
حجم الخط
تباعد الأسطر
الخط
عرض النص
الألوان
الحركات
الحواشي