وقد استخدم أفراد هذه الطبقة في عهد الراشدين وكثر استخدامهم في عهد بني أمية(6)كما أبقى المسلمون التنظيمات الإدارية فظلت سجلات الضرائب في إيران تكتب بالفارسية ما يقرب من خمسين سنة وظلت في خراسان تكتب بالفارسية بعد الفتح بنحو مائة سنة، كما استخدم العرب النقود الفارسية نفسها، فبقى الدرهم الفارسي بصورته القديمة أساساً للمعاملات المالية، تلك هي روح السياسة واتجاهاتها، وقد طبقت السياسة نصاً وروحاً في عصر الخلفاء الراشدين(1) .
وكان عهد الخلفاء الراشدين هو العهد المثالي للدعوة الإسلامية، بل هناك من الشواهد ما يجعلنا نقرر أن العصر الأموي لم يخرج كثيراً عن هذه المبادئ، وظل التسامح الديني رائجاً في عهدهم، وبقيت عقود الصلح دون أن تتغير، بل توسع الأمويون -إلا في عهد عبد الملك بن مروان- في استخدام أهل الذمة في وظائف الدولة، وكل ما يؤخذ عليهم اتجاههم إلى مضاعفة بعض الضرائب لاعتبارات تطلبتها ظروف عصرهم ومشاكله .
وقد حافظ العباسيون على هذه الروح بدورهم وكان العصر العباسي هو عصر النفوذ الفارسي على نطاق واسع(2) .
وقد كان التسامح الديني في الإسلام ذا أثر كبير في تهيئة أهل إيران نفسياً لاعتناق الإسلام فقد أثبت المسلمون بأخلاقهم العملية فائدة اعتناق الإسلام لأتباع الديانات الأخرى، كما أتاح لهم فرصة مقارنة ما عندهم بما جاء به الإسلام، ولذا لا نوافق الذين يشكون أو يشككون في إخلاص إيمان أهل فارس، ولذلك نرى من الحق أن نقرر أن أغلب الفرس وأهل إيران عموماً، الذين استجابوا لنداء الإسلام كانت استجابتهم عن إيمان واعتقاد، وكثرة العلماء والمؤلفات وانتشار العلم فيها خير شاهد لنا في هذا الباب، فضلاً عن أن أهم أصحاب كتب الحديث كالصحاح الستة هم من العجم، هذا كله فضلاً عن أن طبقات المسلمين من أهل إيران هم الذين تولوا الدفاع عن الإسلام بعد أن تسلموا زمامه، وقد دافعوا عنه كما دافع عنه العرب بحرارة وإخلاص(3) .