وقال ابن المبارك : السيف الذي وقع بين الصحابة فتنة ، ولا أقول لأحد منهم هو مفتون .وقال يعقوب بن شيبة : سمعت أحمد بن حنبل سُئل عن هذا ، فقال : فيه غير حديث صحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم ، وَكَرِه أن يتكلّم في هذا بأكثر من هذا . يعني حينما سُئل عن حديث : " وَيحَ عَمّار تقتله الفئة الباغية " .
قال القرطبي : وقد سُئلَ بعضهم عن الدماء التي أُرِيقَتْ فيما بينهم ، فقال : (تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ) .
وسُئل بعضهم عنها أيضا ، فقال : تلك دماء قد طَهّر الله منها يَدِي فلا أخْضِبُ بها لساني . يعني التحرّز من الوقوع في خطأ ، والْحُكُم على بعضهم بما لا يكون مُصيباً فيه .
قال بن فورك : ومن أصحابنا من قال : إن سبيل ما جَرَتْ بين الصحابة من المنازعات كَسَبِيل ما جرى بين إخوة يوسف مع يوسف ، ثم إنهم لم يَخْرُجُوا بذلك عن حَدّ الولاية والنبوة ، فكذلك الأمر فيما جرى بين الصحابة .
وقال المحاسبي : فأما الدماء فقد أشكل علينا القول فيها باختلافهم ، وقد سُئل الحسن البصري عن قتالهم ، فقال : شَهِدَه أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم وغِبْنَا ، وعَلِمُوا وجَهِلْنَا ، واجتمعوا فاتَّبَعْنَا ، واخْتَلَفُوا فَوَقَفْنَا .
قال المحاسبي : فنحن نقول كما قال الحسَنُ ، ونعلم أن القوم كانوا أعلم بما دَخَلُوا فيه مِنّا ، ونَتَّبِع ما اجتمعوا عليه ، ونقف عندما اختلفوا فيه ، ولا نَبْتَدِع رأياً مِنّا ، ونعلم أنهم اجتهدوا وأرادوا الله عز وجل ، إذ كانوا غير مُتَّهَمِين في الدِّين ، ونسأل الله التوفيق . اهـ .
فهذا هو سبيل أهل العلم .. الكفّ عما شَجَر بين أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم .. وعدم الخوض فيه .