تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

كتاب لقبته لزوم ما لا يلزم، ومعنى هذا اللقب أن القافية تلتزم لها لوازم لا يفتقر إليها حشو البيت، ولها أسماء تعرف، وسأذكر منها شيئا مخافة أن يقع هذا الكتاب إلى قليل المعرفة بتلك الأسماء

......

ا. ه". ففي كلامه رائحة ضعيفة من الاختراع؛ ولعله أول من نبه عليه، فإن كان ذلك فهو لم يدعه؛ لأنه نهج مطروق وشرعة مورودة، والاختراع لا يكون فيما هذه سبيله بين أهله؛ غير أنه لا مراء في أن المعري أول من اتخذ هذا النوع صناعة احترفها شطرا من عمره، فتكلف في تأليفه "كما قال" ثلاث كلف: الأولى أن ينتظم حروف المعجم عن آخرها، والثانية أن يجيء رويه بالحركات الثلاث وبالسكون بعد ذلك، والثالثة أنه لزم مع كل روي فيه شيء لا يلزم من باء أو تاء أو غير ذلك من الحروف.

ولم نعرف بعد المعري من تكلف تأليفا مستقلا في لزوم ما لا يلزم، إلا ما وقفنا عليه في ترجمة عبد العزيز بن قاضي حماة، من "فوات الوفيات"، وقد توفي سنة 662ه، فقد قال فيه الشيخ صلاح الدين الصفدي:

"لا أعرف في شعراء الشام بعد الخمسمائة من نظم أحسن منه ولا أجزل ولا أفصح ولا "أصنع" ولا أكثر "فإن له في لزوم ما لا يلزم مجلدا كبيرا".

وقيل عبد العزيز هذا تكلف الوزير جمال الدين أبو الطاهر محمد بن يوسف التميمي السرقسطي المعروف بابن الاشتراكواني المتوفى سنة 538ه -في مقاماته التي عارض بها الحريري- أن يلتزم في نظمها ونثرها هذا النوع، ولذلك تعرف بالمقامات اللزومية، وقد اشتهر بأسلوبه هذا في الأندلس حتى احتذاه من مشاهيرهم عبد الرحمن بن محمد المعروف بالمكناسي المتوفى سنة 591ه، فقد كان رأسا في الكتابة، وكان ينشئ الرسائل اللزومية، وبلغ في اللزوم مبلغا أعجز فيه غيره "ص303: بغية الوعاة".

الشينية والسينية:

أما الحريري فقد طبخ أحمض أصناف الإعنات والتضييق في رسالتين له، وهما المعروفتان بالشينية والسينية، كتب بالأولى منهما إلى الشيخ الإمام شمس الشعراء طلحة بن أحمد بن طلحة النعماني، والثانية وهي السينية على لسان الأمير أمين الملك أبي الحسن بن فطير المرادي، وكان يتولى ديوان الاستيفاء بالبصرة، إلى الأمير الأجل الحسام، وكان قد دعاه الأسفهسالار1 الأجل النفيس سيد الرؤساء سيف السلاطين، وشربا جميعا في دار بالبصرة في المحلة المعروفة ببني حرام، وهي محلة الشيخ الحريري، وكان أمين الملك جاره وصديق الأسفهسالار النفيس، فلم يدعه، فكتبها إليه يداعبه على لسانه.

وقد التزم أن لا يخلي كلمة من الشين في الأولى ومن السين في الثانية؛ وأشار صاحب المثل السائر إلى هاتين الرسالتين في باب المعاظلة من كتابه ووصفهما؛ ثم قال: فجاءنا كأنهما رقى

تاريخ آداب العرب · الجزء ٣ · الصفحة ٢٣٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تاريخ آداب العربج ٣ · ص ٢٣٧