تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وكذلك لو فعل في البيت الثاني لكان ذكره اللذة زائدا في المعنى؛ لأن الزق لا يسبأ إلا للذة، وإنما وصف نفسه بالفتوة والشجاعة بعد أن وصفها بالتملك والرفاهية، وقد أتبعه المتنبي في قوله:

وقفت وما في الموت شك لواقف ... كأنك في جفن الردى وهو نائم

تمر بك الأبطال كلمى هزيمة ... ووجهك وضاح وثغرك باسم

وذكر الواحدي في شرحهما اعتراض سيف الدولة عليه وعلى امرئ القيس وتخلص المتنبي لنفسه وله، غير أن ترتيب امرئ القيس أبدع وفيه من الفائدة ما ليس في بيتي أبي الطيب.

بقي أن نذكر بعض المآخذ التي أصبناها في شعر هذا الشاعر، فمن ذلك أنه له استعانة ضعيفة بالحروف والكلمات، كقوله:

ألا رب يوم منهن صالح

وأن له تكرارا قبيحا في الألفاظ والمعاني يجيء بها على وجه واحد في مواضع مختلفة من غير أن يتصرف في ذلك بما يخفي قبح هذا التكرار وينفي عنه الظنة.

ومنها دخوله في وجوه المناقضة والإحالة في بعض الكلام، وذلك مما يدل على أنه يرسله إرسالا كما اتفق، لا يبتغي به إلا لذة المنطق، وإلا مواتاة ما في نفسه من الميل إلى القول؛ وبهذا كان ختام قصائده مقتضبا، وقلما قطع الشعر على كلمة بديعة إلا في القليل كختام قصيدته السينية:

ألا إن بعد العدم للمرء قنوة ... وعبد المشيب طول عمر ملبسا

فكأن الشعر يقترح عليه اقتراحا متى فرغ من المعنى الذي يريده سكت دون أن ينظر إلى موضع السكوت وأن الإصابة فيه كأحسن الكلام.

ومنها استعمال الكلام المؤنث في شعره، كقوله: لك الويلات إنك مرجلي، ونحوه، دون أن يوطئ لذلك بما يحسن التضمين ويخرج الكلمة المؤنثة مخرجا لا يكفي فيه أن يكون حلقيا فقط.

أما ما وقع له غير ذلك من اضطراب بعض القوافي وثقل الألفاظ مما يكد لسان الناطق المتحفظ، فذلك متجاوز عنه بعذر البداوة، والغريب عندنا مألوف عند أهله.

المنازعة بين امرئ القيس وعلقمة

لما نزل امرؤ القيس في طيئ تزوج امرأة منهم تسمى أم جندب، وكان مفركا وكانت تكرهه، فنزل به علقمة بن عبدة فتذاكر الشعر وادعاه كل واحد منهما على صاحبه، فقال علقمة: فقل شعرا تمدح فيه فرسك والصيد، وأقول في مثل ذلك، وهذا الحكم بيني وبينك -يعني تلك المرأة- فبدأ امرؤ القيس يقول:

خليلي مرا بي على أم جندب ... نقض لبانات الفؤاد المعذب

فنعت فرسه والصيد حتى فرغ، وقال علقمة:

ذهبت من الهجران في غير مذهب ... ولم يك حقا كل هذا التجنب

تاريخ آداب العرب · الجزء ٣ · الصفحة ١٤٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تاريخ آداب العربج ٣ · ص ١٤٢