الباب التاسع:
الصناعات
اللفظية التي أولع بها المتأخرون في النظم والنثر وتاريخ أنواعها</span>
الصناعات
...
الباب التاسع: الصناعات اللفظية التي أولع بها المتأخرون في النظم والنثر وتاريخ أنواها
الصناعات:
مر بك من أمر الصناعتين في النظم والنثر ما تستخرج منه تاريخ الارتقاء في الكلام وتعرف به مدلوله؛ إذ يعطيك من حوادثه الأدبية ما تعطيك الحوادث المادية من القياس الذي تضبط به النتائج وتجتمع الحدود؛ ولا بد من أراد أن يستقرئ حوادث الانحطاط من معرفة تاريخ الارتقاء؛ لأنه ضد معلق على ضده، فلا تنحط الأمة حتى تكون قد ارتقت.
والارتقاء في كل شيء إنما هو تغير في مادته على مقادير تعطيه من القوة بنسبة الزيادة في ذلك التغير في مجموعه؛ فالطفل يرتقي بتغير مادة جسمه إلى مقادير القوة حتى يصير رجلا، ولكن إذا أخذ جسمه في النماء والزيادة وأخذت حاسة من حواسه في النقص والانحطاط، لم يكن ذلك النماء في مجموعه ارتقاء مطلقا، بل احتاج أن يفصل فيه.
وكذلك الشأن في هذه الصناعات الأدبية؛ فإنها ليست في مجموع اللغة ارتقاء ولا انحطاطا، وإنما يوصف كل جنس منها بأثره؛ فإنك إذا نظرت إلى أن من أنواع البديع ما يورث اللغة حسنا في الألفاظ، وحلاوة في مخارج الكلام، حتى تحول في العيون عن مقادير صورها، وتربى على حقائق أقدارها بمقدار ما زينت وعلى حسب ما زخرفت، وحتى تكون هذه الزيادة بعينها فيما لها من قوة الهوى والتعشق، وأن تلك الأنواع تقتضي الكاتب أو الشاعر لطافة الحيلة وحسن التأتي وتمكين الأسباب ونحو ذلك مما هو أدخل في باب التكلف, لم يجز لك أن تعدها في اللغة إلا من أسباب الارتقاء؛ لأن اللغة لم تقع لأهلها على الكفاية في كل شيء، وإنما سبيلها تحول المادة وتغير القوة في كل عصر.
وإذا نظرت إلى أن من أنواع البديع أيضا ما يكسب اللغة هجنة ويلحقها بضروب الصناعات والحرف، ويصير بها إلى حال مضيعة وكلال، وهو على ما يقتضيه من الكد والاستكراه وكثرة التكلف زينة عاطلة وفتنة باطلة، وأن هذه الأنواع مصائد للأقلام وحصائد للألسنة، لم يجز لك أن تحتسبها في اللغة إلا من أسباب الانحطاط؛ لأنها وإن كانت زيادة في المادة إلا أنها نقص في القوة؛ فمثلها مثل ما يزيد في الجسم من الأمراض كالسرطان وغيره.
ومن تدبر تاريخ العلوم رأى أن لكل علم ثلاثة أدوار: فهو يبدأ بدرس حقائقه التي أفردته فاعتبر بها علما، ثم يؤدي هذا الدرس إلى الاكتساب والاستنباط وما يتبعهما من تمحيص الحقائق الأولى، ثم ينتهي الاكتساب إلى الدور الذي يبلغ فيه العلم أن يكون جزءا من أجزاء الوحدة العلمية؛ فإن العلوم كلها دعامة للعمران يشد بعضها بعضا، وليس ينزل فيها إلا ما يشترك في هذه الغاية، وعلى هذا لا تكون الصناعات قد نشأت في علم الأدب إلا في الدور الثاني، وهو دور الاكتساب والتزيد، غير أنها نشأت على قدر الحاجة إليها، وكان يتولاها النقد ويحاسب عليها البيان، فخرج أكثرها مهذبا غير ملتبس ولا معقد؛ حتى جاء القرن الرابع فأخذوا يتوسعون في ذلك لا يعدون مقدار التلمح والظرف