ثلاثة أشياء: من قبل النغم المتفقة، ومن قبل الوزن، ومن قبل التشبيه نفسه، وهذه قد يوجد كل واحد منها منفردا عن صاحبه، مثل وجود النغم في المزامير، والوزن في الرقص والمحاكاة في اللفظ، أعني الأقاويل المخيلة "غير الموزونة" وقد تجتمع هذه الثلاثة بأسرها, مثل ما يوجد عندنا في النوع الذي يسمى الموشحات والأزجال، وهي الأشعار التي استنبطها في هذا اللسان أهل هذه الجزيرة ا. ه "العذارى المائسات".
وهذا هو السبب في اختلاف أوزانه وأوضاعه؛ لأن الغرض منه تطبيق ألفاظه على مؤلفات من الأصوات [بمقتضى] صناعة الموسيقى، فكانوا يؤلفون من الأصوات التي تخرجها الضربات على الأوتار المختلفة كلاما يناسب أن يقابل في وزنه تلك الأصوات بحروف متحركة أو ساكنة وعلى ذلك يكون مؤلف التوشيح تابعا لما تقتضيه أصوات الموسيقى وأوزانها، وذلك قد يوافق الأوزان العربية التي يلحن فيها الشعر وقد يخالفها وعليه أكثر عملهم، ولم يلتفت أكثر أدباء المتأخرين إلى هذه الحقيقة فحسبوا التوشيح كغيره من الأوزان، ولذلك اقتصر شعراؤهم على النظم في مذهب العروض منه وتركوا ما عداه؛ لأنهم لا يعرفون له وزنا، إلا أهل الموسيقى منهم؛ فإنهم ذهبوا فيه كل مذهب، وقد ذكر الشيخ شهاب الدين في سفينته المشهورة أن موشحات المتقدمين قد بطل العمل في تلحينها، ولذلك اقتصر في السفينة على إيراد موشحات المتأخرين، واثبت من ذلك 300 موشح فيها 350 لحنا.
وعلى الأصل في أوزان التوشيح اختراع المتأخرون نوعين آخرين هما المستجاد والبنود، وسنذكرهما في بحث الصناعات؛ لأن موضعهما هناك أليق بهما.
الموشح الملحون
ومن التوشيح ما لا يكون معربا، وهو من اختراع أدباء اليمن؛ قال صاحب "سلافة العصر": ولأهل اليمن نظم يسمونه الموشح، غير موشح أهل المغرب، والفرق بينهما أن موشح أهل المغرب يراعى فيه الإعراب بخلاف موشح أهل اليمن فإنه لا يراعى فيه شيء من الإعراب، بل اللحن فيه أعذب؛ وحكمه في ذلك حكم الزجل ا. ه "ص243".
ولم نزل نبحث عن أصل هذا النوع حتى وقفنا في كتاب "نفحة اليمن" لأحد الأنصاري اليمني الشرواني1، وهو مطبوع في مصر، على نوع سماه الشعر الحميني لا يكون إلا ملحونا، وقال إنه منسوب إلى الفضل الأديب محمد بن حسين الكوكباني اليمني، وهو توشيح أوله:
ما لقلبي لم يزل عشقو فنون ... في هوى حال التثني والمجون
زي الغصون قد فنى صبري وقل الاحتيال
قد قسم قلبي بأسياف الجفون ... وقسم لي الهوى تلك العيون
ريب المنون ما حياتي بعد ذا إلا محال
وقال: إن شعراء اليمن هم فرسان هذا الميدان، وحاملوا لواء هذا الشأن؛ وعلى هذه الطريقة نظم بعض علماء المتأخرين على نمط الشعر، كقصيدة الشيخ عليش الشهيرة التي مطلعها:
الزم باب ربك ... واترك كل دون
وأورد في النفحة قصيدة في هذا النمط قال إنها للفاضل البكري؛ فهذا هو الشعر الحميني على ما عرفت، وهي تسمية أهل اليمن؛ أما المغاربة فقد استحدثت عامتهم من هذا النمط أنواعا بأسماء أخرى، وسنشير إليها بعد.