2 - سلامة النفس:
فحيثما يجد المرء نفسه مهددة بالقتل أو الهلاك المحقق من قبل الظالمين .. وليس له القدرة على دفع الظلم عن نفسه فله أن يُهاجر طلباً للسلامة إلى حيث يجد الأمن والأمان لنفسه وأهله. ...
فمن مقاصد الشريعة التي جاء الإسلام للحفاظ عليها وصونها من أي خطر يتهددها " النفس " .. فرخص للمسلم أموراً عدة من أجل أن يُحافظ على نفسه من الهلاك أو الموت. ... منها: فعل بعض المحظورات بقدر دفعاً لهلاك النفس؛ كالذي يكون في صحراء وتنقطع عنه جميع الطرق التي توصله إلى الماء .. ولم يجد إلا خمراً .. فله أن يشرب من الخمر القدر الذي يمكنه من الوصول إلى أماكن توفر الماء. ... وكذلك لو كاد أن يموت من الجوع ولم يجد إلا ميتة أو لحم خنزير فله أن يأكل القدر الذي يقيم صلبه إلى حين يصل إلى المكان الذي يتوفر فيه الطعام الحلال، كما قال تعالى: ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ وَإِنَّ كَثِيراً لَيُضِلُّونَ بِأَهْوَائِهِمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُعْتَدِينَ﴾ الأنعام:119. فاستثنى الله تعالى من الوقوع في الإثم أهل الاضطرار. ... وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلا عَادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ البقرة:173. ... من هذه النصوص وغيرها استنبط أهل العلم القاعدة الفقهية المعروفة التي تقول بأن:" الضرورات تبيح المحظورات ". ... ومنها: أن يُظهر كلمة الكفر ـ وقلبه مطمئن بالإيمان ـ لو كان القتل ونحوه لا يندفع عنه إلا بذلك، لقوله تعالى: ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْأِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْراً فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ النحل:106. ... ولحديث عمار وفيه أن المشركين أخذوه، فلم يتركوه حتى سبّ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وذكر آلهتهم بخير! فلما أتى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال:" ما وراءك؟ " قال: شرٌّ يا رسول الله، ما تُركت حتى نلت منك وذكرت آلهتهم بخير. فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-:" فكيف تجد قلبك؟ " قال: أجد قلبي مطمئناً بالإيمان. قال:" فإن عادوا فعُد ". ... ومنها: الهجرة ـ ولو إلى بلاد الكفر ـ إن لم يجد سبيلاً لدفع الهلاك عن نفسه وأهله إلا بالهجرة والاغتراب، كما حصل لبعض الصحابة رضي الله عنهم لما أمرهم النبي -صلى الله عليه وسلم- بالهجرة إلى الحبشة لكونها بلدة يوجد فيها ملكاً عُرف بالعدل لا يُظلم عنده أحد .. ولما في الحبشة ـ رغم كونها دار كفر ـ من الأمن والسلام مالا يجده المسلمون ـ وبخاصة منهم المستضعفين ـ في مكة يومئذٍ. ... فإن قيل الحبشة كانت دار كفر .. ومكة كانت دار كفر فما الفرق بينهما؟ ... أقول: الفرق بينهما كالفرق بين الكفر المجرد والكفر المغلظ المركب الذي يعلو بعضه بعضاً ويركب بعضه بعضاً، فمكة كانت يومئذٍ بالنسبة للحبشة كالكفر المركب المغلّظ قياساً إلى الكفر المجرد .. والله تعالى أعلم. ... قال ابن حزم في المحلى 12/ 125: وأما من فرَّ إلى أرض الحرب لظلم خافه، ولم يُحارب المسلمين، ولا أعانهم عليهم، ولم يجد في المسلمين من يجيره، فهذا لا شيء عليه لأنه مضطر مكره. ... وقد ذكرنا أن الزهري محمد بن مسلم بن شهاب، كان عازماً على أنه إن مات هشام بن عبد الملك لحق بأرض الروم؛ لأن الوليد بن يزيد كان نذر دمه إن قدر عليه، وهو كان الوالي بعد هشام، فمن كان هكذا فهو معذور ا- هـ.