تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وذلك أن المرء خُلق لله -عز وجل- ولعبادته -سبحانه وتعالى- .. فعبادته لله تعالى هي الغاية العظمى من وجوده وخلقه، ترخص في سبيلها جميع الغايات والمقاصد، كما قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ الذريات:56. ... نفي جاء بعده استثناء يفيد الحصر والقصر؛ أي أن الله تعالى ما خلق الجن والإنس لشيءٍ أبداً إلا لعبادته وحده -سبحانه وتعالى-. ... وقال تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهاً وَاحِداً لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ التوبة:31. ... وقال تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ البينة:5. ... أي وما أمروا بشيء أبداً إلا بشيءٍ واحد وهو أن يعبدوا الله تعالى وحده مخلصين له الدين حنفاء غير مشركين به شيئاً. ... والعبادة هنا يُراد منها معناها العام، وهي العبادة الشاملة لجميع ما يحبه الله تعالى من الأعمال والأقوال الظاهرة والباطنة، والتي تتسع لجميع مساحة حياة الإنسان، ونشاطاته. ... هذه هي الغاية من وجود الإنسان التي يجب أن يتحرك معها وعلى ضوئها سلماً وحرباً، حلاًّ وترحالاً .. فيقيم حيث تتحقق له سلامة العبادة والدين، ويرحل حيث تنتفي عنه سلامة العبادة والدين. ... قال تعالى: ﴿يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ﴾ العنكبوت:56. ... أي أن الله تعالى وسّع الأرض ليتمكن الإنسان من عبادة الله تعالى على الوجه الأكمل .. فإن ضُيق عليه في أرضٍ وجد أرضاً أخرى يعبده فيها -سبحانه وتعالى- .. ولا ينبغي له أن يتعذر بضيق الأرض. ... قال مجاهد: إنّ أرضي واسعة فهاجروا وجاهدوا فيها. ... وقال سعيد بن جبير: إذا عُمل في الأرض بالمعاصي فاخرجوا منها فإن أرضي واسعة. ... وقال عطاء: إذا أُمرتم بالمعاصي فاهربوا، فإن أرضي واسعة، وكذلك يجب على كل من كان في بلد يعمل فيها بالمعاصي ولا يمكنه تغيير ذلك أن يُهاجر إلى حيث يتهيأ له العبادة. ... وقال مطرف بن عبد الله: أرضي واسعة أي رزقي لكم واسع فاخرجوا [1]. ... قال ابن كثير في التفسير 3/ 430: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-:" البلاد بلاد الله، والعباد عباد الله، فحيثما أصبت خيراً فأقم ". ولهذا لما ضاق على المستضعفين بمكة مقامهم بها خرجوا مهاجرين إلى أرض الحبشة ليأمنوا على دينهم هناك، فوجدوا خير المنزلين هناك أصحمة النجاشي ملك الحبشة رحمه الله تعالى فآواهم وأيدهم بنصره، وجعلهم سيوماً ببلاده ا- هـ. ... وكذلك قوله تعالى: ﴿قُلْ يَا عِبَادِ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكُمْ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَأَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةٌ إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ الزمر:10. ... فتأمل الربط والعلاقة بين الأمر بتقوى الله تعالى وبين كون أرض الله واسعة؛ أي لا يحملنك ـ يا عبد الله ـ شيء على عدم التقوى فإن تعرضت لشيء يحول بينك وبين التقوى فعليك أن تهاجر في أرض الله الواسعة حيث تجد الأرض التي يتحقق لك فيها التقوى على الوجه الأكمل والأفضل. ... قال ابن كثير في التفسير 4/ 52: قوله ﴿وأرض الله واسعة﴾ قال مجاهد: فهاجروا فيها وجاهدوا واعتزلوا الأوثان. ... وقال شريك عن منصور عن عطاء: إذا دعيتم إلى معصية فاهربوا ا- هـ. ... وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَاوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيراً﴾ النساء:97. ... قوله تعالى ﴿ظالمي أنفسهم﴾ أي ظالمي أنفسهم بشحهم بالوطن والديار وتركهم للهجرة، وتكثيرهم لسواد المشركين على المسلمين .. ولما تعللوا بقولهم ﴿كنا مستضعفين في الأرض﴾ لم يقبل الله تعالى منهم عذرهم لوجود الأرض التي يقدرون على الهجرة فيها .. فقالت الملائكة لهم ﴿ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها﴾ فعلام لم تهاجروا .. ؟!

مسائل.. وأحكام · الصفحة ١٠

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مسائل.. وأحكامص ١٠