مسألة : أشكل على ما سبق قول أنس - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان لا يرفع يديه في شيء من دعائه إلا في الاستسقاء ، فإنه كان يرفع يديه حتى يرى بياض إبطيه(1) فكيف الجمع بين قول أنس - رضي الله عنه - هذا ، وبين رفع النبي - صلى الله عليه وسلم - يديه في الدعاء في مواضع عديدة ؟
الجواب : قال ابن حجر : قوله : " إلا في الاستسقاء " ظاهره نفي الرفع في كل دعاء غير الاستسقاء ، وهو معارض بالأحاديث الثابتة بالرفع في غير الاستسقاء ... وذهب بعضهم إلى أن العمل بها أولى ، وحمل حديث أنس على نفي رؤيته ، وذلك لا يستلزم نفي رؤية غيره . وذهب آخرون إلى تأويل حديث أنس المذكور – لأجل الجمع – بأن يحمل النفي على صفة مخصوصة ... وقال في موضع آخر : والمراد بالحصر فيه الرفع على هيئة مخصوصة لا أصل الرفع فإنه ثابت عنه(2) .
8- استحباب إخفاء الدعاء :
... قال تعالى : ( ادعوا ربكم تضرعا وخفية ) ] الأعراف 55 [ . أمر الله سبحانه ، عباده أن يجتهدوا في دعائه مع إسرارهم وإخفائه وعدم رفع الصوت به . وفي إخفاء الدعاء أدب وإخلاص بالغان ، يقربان من إجابة دعاء الداعي .
... قال ابن تيمية : ولقد كان المسلمون يجتهدون في الدعاء وما يسمع لهم صوت ، أي ما كانت إلا همساً بينهم وبين ربهم عز وجل يقول : ( ادعوا ربكم تضرعا وخفية )
] الأعراف 55[ . وأنه ذكر عبداً صالحاً ورضي بفعله ، فقال : ( إذ نادى ربه نداء خفيا ) ] مريم3[ (3).
فائدة : في إخفاء الدعاء فوائد عديدة : ذكر شيخ الإسلام جملة منها نذكر ملخصها :
أحدهما : أنه أعظم إيماناً ، لأن صاحبه يعلم أن الله يسمع الدعاء الخفي .
(1) رواه البخاري(3565) ، ومسلم (895) ، وأحمد (12456) ، والنسائي (1513) ، وأبو داود (1170) ، وابن ماجه (1180) ، والدارمي (1535) .
(2) فتح الباري (2/601) ، ( 6/668) .
(3) الفتاوى (15/15) .