في الحديثين نهيٌ صريح عن الشرب من فم القربة أو السقاء، والذي ينبغي هو صبُ الشراب في الإناء ثم الشرب منه . وهذا النهي حمله بعض أهل العلم على التحريم وحمله بعضهم على كراهة التنزيه وهم الأكثر، ومنهم من جعل أحاديث النهي ناسخة للإباحة (1) . وقد ذكر أهل العلم بعض الحكم التي من أجلها جاء هذا النهي، نذكر بعضاً منها : فمنها : أن تردد أنفاس الشارب فيه يُكسبه زُهومة ورائحة كريهة يُعاف لأجلها، ومنها: أنه ربما يكون في القربة أو السِّقاء حشرات أو حيوانات أو قذاة أو غيرها لا يشعر بها الشارب فتدخل في جوفة فيتضرر بها، ومنها: أنه ربما يخالط الماء من ريق الشارب فيتقذره غيره (2) . ومنها: أن ريق الشارب ونَفَسه قد يكون ممرضاً غيره، لما ثبت عند الأطباء أن العدوى قد تنتقل عن طريق الريق والنفس .
مسألة : ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم أنه شرب من فيِّ قربة معلقة (3) . فكيف نجمع بين فعله صلى الله عليه وسلم الدال على الجواز، وبين نهيه القولي ؟
(1) . انظر فتح الباري(10/94)
(2) . انظر زاد المعاد(4/233)، وفتح الباري(10/94)، و الآداب الشرعية(3/166) .
(3) . رواه الترمذي(1892) ولفظه: عن كبشة الأنصارية قالت : دخل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فشرب من فيِّ قربة معلقة قائماً، فقمت إلى فيها فقطعتها . قال أبو عيسى :هذا حديث حسن صحيح. وكذا رواه ابن ماجه(3423) وصححه الألباني برقم(2780)