قال: وفيه اعتراف للفاضِل بِفضله، وإنصاف الصحابة بعضهم بعضا.
23= رجوع العَالِم للحق إذا استبان له، وأنه لا غضاضة في ذلك ولا حرج، فالْحَقّ أحقّ أن يُتّبَع.
واشتهر عن ابن عمر رضي الله عنهما تراجعه عن غير مسألة.
قيل لابن عمر: إن أبا هريرة يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: مَن تَبع جنازة فله قيراط من الأجر. فقال ابن عمر: أكثر علينا أبو هريرة، فبعث إلى عائشة فسألها فصدّقت أبا هريرة، فقال ابن عمر: لقد فرطنا في قراريط كثيرة. رواه البخاري ومسلم.
ومثله هنا تراجع المسور رضي الله عنه ورجوعه إلى قول ابن عباس رضي الله عنهما.
والله أعلم.
شرح عمدة الأحكام – ح 256 في فسخ الحج إلى عمرة
بابُ فَسْخِ الحجِّ إِلى العُمْرَةِ
عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رضي الله عنهما قَالَ: أَهَلَّ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم وَأَصْحَابُهُ بِالْحَجِّ وَلَيْسَ مَعَ أَحَدٍ مِنْهُمْ هَدْيٌ غَيْرَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَطَلْحَةَ. وَقَدِمَ عَلِيُّ رضي الله عنه مِنْ الْيَمَنِ، فَقَالَ: أَهْلَلْتُ بِمَا أَهَلَّ بِهِ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم، فَأَمَرِ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم أَصْحَابَهُ: أَنْ يَجْعَلُوهَا عُمْرَةً , فَيَطُوفُوا، ثُمَّ يُقَصِّرُوا، وَيَحِلُّوا , إلاَّ مَنْ كَانَ مَعَهُ الْهَدْيُ، فَقَالُوا: نَنْطَلِقُ إلَى " مِنىً " وَذَكَرُ أَحَدِنَا يَقْطُرُ؟! فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: لَوْ اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرْتُ مَا أَهْدَيْتُ , وَلَوْلا أَنَّ مَعِي الْهَدْيَ لأَحْلَلْتُ. وَحَاضَتْ عَائِشَةُ، فَنَسَكَتِ الْمَنَاسِكَ كُلَّهَا , غَيْرَ أَنَّهَا لَمْ تَطُفْ بِالْبَيْتِ. فَلَمَّا طَهُرَتْ وَطَافَتْ بِالْبَيْتِ قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ , تَنْطَلِقُونَ بِحَجٍّ وَعُمْرَةٍ , وَأَنْطَلِقُ بِحَجٍّ؟ فَأَمَرَ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَبِي بَكْرٍ: أَنْ يَخْرُجَ مَعَهَا إلَى التَّنْعِيمِ، فَاعْتَمَرَتْ بَعْدَ الْحَجِّ.
فيه مسائل:
1= قوله: " فَسْخ الحجِّ إِلى العُمْرَةِ " أي: بعد الإحرام والتلبية، وأما قبل ذلك فلا يترتّب على النية شيء.
وقد أورد المصنّف رحمه الله تحت هذا الباب أحاديث تتعلّق بمسائل مِن مسائل الحج، وليست خاصة في الباب.
2= المذاهب في فسخ الحج إلى العمرة ثلاثة، اثنان مُتقابلان وواحد وسط؛ أما المتقابِلان فـ:
الأول: وُجوب فسخ الحج من الإفراد أو القِران إلى التمتع، لِمَن لم يسُق الهدي.
والثاني: يحرم فسخ الحج إلى عُمرة.
وأما القول الثالث فـ: استحبابه من غير إيجاب، وهذا مُقيّد بِما إذا لم يشرع في النُّسُك.
قال النووي:
وَقَدْ اِخْتَلَفَ الْعُلَمَاء فِي هَذَا الْفَسْخ، هَلْ هُوَ خَاصّ لِلصَّحَابَةِ تِلْكَ السَّنَة خَاصَّة أَمْ بَاقٍ لَهُمْ وَلِغَيْرِهِمْ إِلَى يَوْم الْقِيَامَة؟
فَقَالَ أَحْمَد وَطَائِفَة مِنْ أَهْل الظَّاهِر: لَيْسَ خَاصًّا بَلْ هُوَ بَاقٍ إِلَى يَوْم الْقِيَامَة، فَيَجُوز لِكُلِّ مَنْ أَحْرَمَ بِحَجٍّ وَلَيْسَ مَعَهُ هَدْي أَنْ يَقْلِب إِحْرَامه عُمْرَة وَيَتَحَلَّل بِأَعْمَالِهَا.
وَقَالَ مَالِك وَالشَّافِعِيّ وَأَبُو حَنِيفَة وَجَمَاهِير الْعُلَمَاء مِنْ السَّلَف وَالْخَلَف: هُوَ مُخْتَصّ بِهِمْ فِي تِلْكَ السَّنَة لا يَجُوز بَعْدهَا، وَإِنَّمَا أُمِرُوا بِهِ تِلْكَ السَّنَة لِيُخَالِفُوا مَا كَانَتْ عَلَيْهِ الْجَاهِلِيَّة مِنْ تَحْرِيم الْعُمْرَة فِي أَشْهُر الْحَجّ. اهـ. ونَقَل النووي في " المجموع " هذا عن القول عن القاضي عياض.
قال سلمة بن شبيب للإمام أحمد: يا أبا عبد الله كل شيء منك حَسن، إلاَّ خَصلة واحدة! تقول بِفَسخ الحج إلى العمرة.