تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فإن قيل: قد جاء في روايات: " وَالنَّعْلُ فِي عُنُقِهَا " فَلِم قال: إنها بَدَنة، وعليها علامة الهدي وشِعاره؟

فالجواب: أن الرجل قد يكون ظنّ أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يرَ النعل، أو أنه أراد التأكّد من أمْره عليه الصلاة والسلام بالركوب.

وقوله: " إنها بَدَنة " يدلّ على أنه قد استقرّ عندهم أن الهدي لا يُركَب.

6= قال النووي: قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " وَيْلك اِرْكَبْهَا ".

فَهَذِهِ الْكَلِمَة أَصْلُهَا لِمَنْ وَقَعَ فِي هَلَكَة، فَقِيلَ: لأَنَّهُ كَانَ مُحْتَاجًا قَدْ وَقَعَ فِي تَعَب وَجَهْد، وَقِيلَ: هِيَ كَلِمَة تَجْرِي عَلَى اللِّسَان، وَتُسْتَعْمَل مِنْ غَيْر قَصْد إِلَى مَا وُضِعَتْ لَهُ أَوَّلاً بَلْ تُدَعِّم بِهَا الْعَرَب كَلامهَا، كَقَوْلِهِمْ: لا أُمّ لَهُ، لا أَب لَهُ، تَرِبَتْ يَدَاهُ، قَاتَلَهُ اللَّه مَا أَشْجَعه، وَعَقْرَى حَلْقَى، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ. اهـ.

7= فيه: الشِّدّة في الإنكار، وهذا كثير في السنة، خاصة إذا لم يجدِ الرفق شيئا.

والله أعلم.

شرح عمدة الأحكام – ح 253 في التصدق بمنافع الهدي

عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رضي الله عنه قال: أَمَرَنِي النبي صلى الله عليه وسلم أَنْ أَقُومَ عَلَى بُدْنِهِ , وَأَنْ أَتَصَدَّقَ بِلَحْمِهَا وَجُلُودِهَا وَأَجِلَّتِهَا , وَأَنْ لا أُعْطِيَ الْجَزَّارَ مِنْهَا شَيْئًا. وقال: نحن نُعطيه مِن عِندنا.

فيه مسائل:

1= " أَنْ أَقُومَ عَلَى بُدْنِهِ " القيام على الشيء بِحسبِه. والمقصود به هنا: الاحتياط والعناية بها.

2= في رواية للبخاري: قال عَلِيّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أَهْدَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِائَةَ بَدَنَةٍ، فَأَمَرَنِي بِلُحُومِهَا فَقَسَمْتُهَا، ثُمَّ أَمَرَنِي بِجِلالِهَا فَقَسَمْتُهَا، ثُمَّ بِجُلُودِهَا فَقَسَمْتُهَا.

وتقدّم في شرح حديث ابن عمر رضي الله عنهما: أن مجموع هَديه صلى الله عليه وسلم إلى البيت مائة من الإبل، نَحَر منها عليه الصلاة والسلام ثلاثا وستّين، وتولّى عليّ رضي الله عنه نحر ما بقي.

وفي حديث جابر: ثم انصرف إلى المنحَر، فنحر ثلاثا وستين بيده، ثم أعطى عليًّا، فَنَحَر ما غَبَر، وأشركه في هديه. رواه مسلم.

قال القاضي عياض: وَالظَّاهِر أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَحَرَ الْبُدْن الَّتِي جَاءَتْ مَعَهُ مِنْ الْمَدِينَة، وَكَانَتْ ثَلاثًا وَسِتِّينَ، كَمَا جَاءَ فِي رِوَايَة التِّرْمِذِيّ. اهـ.

والجمع بين القولين: أنه عليه الصلاة والسلام أهدى مائة بَدَنة، وأنه ساق من المدينة ثلاثا وستين بَدَنة.

أن الأول محمول على مجموع الهدي، الذي ساقَه رسول الله صلى الله عليه وسلم والذي جاء به عليّ معه من اليمن، والثاني على ما سَاقَه النبي صلى الله عليه وسلم من المدينة.

وتدلّ عليه رواية مسلم لحديث جابر: قال: فكان جَمَاعَةُ الْهَدْيِ الَّذِي قَدِمَ بِهِ عَلِيٌّ مِنْ الْيَمَنِ وَالَّذِي أَتَى بِهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِائَةً.

والذي جاء به عليّ رضي الله عنه منسوب إلى النبي صلى الله عليه وسلم أيضا؛ لأن عليّ كان عامله على اليمن.

3= نَحَر عليّ رضي الله عنه (37) بَدَنة؛ لأن المجموع مائة، ورسول الله صلى الله عليه وسلم نَحَر ثلاثا وستين.

قال القاضي عياض: وَأَعْطَى عَلِيًّا الْبَدَن الَّتِي جَاءَتْ مَعَهُ مِنْ الْيَمَن، وَهِيَ تَمَام الْمِائَة. اهـ.

4= قوله: " وَأَنْ أَتَصَدَّقَ بِلَحْمِهَا وَجُلُودِهَا وَأَجِلَّتِهَا " لا يعني هذا أنه لا يُؤكل منها.

ففي حديث جابر: ثُمَّ أَمَرَ مِنْ كُلِّ بَدَنَةٍ بِبَضْعَةٍ، فَجُعِلَتْ فِي قِدْرٍ فَطُبِخَتْ، فَأَكَلا مِنْ لَحْمِهَا وَشَرِبَا مِنْ مَرَقِهَا.

إتحاف الكرام بشرح عمدة الأحكام · الصفحة ٣٨٥

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

إتحاف الكرام بشرح عمدة الأحكامص ٣٨٥