فليس فيه أن من لم يسُق الهدي لم يتحلل بِعُمرة؛ لأن ذِكر سياق الهدي مطويّ في هذا الحديث، ومُصرّح به في أحاديث أُخَر.
وهو دالّ على أن من أفرد الحج لم يَحِلّ منه، ومن جَمَع بين الحج والعمرة لم يحلّ منهما، وهذا الأخير غير مُراد، إلاّ أن يُقال في حقّ أُناس لم يتحللوا بِعُمرة، وبَقوا على قِرانهم.
وسيأتي في حديث جابر في " باب فسخ الحج إلى العمرة ".
والله أعلم.
شرح عمدة الأحكام – ح 249 في اختلاف الصحابة في متعة الحج
عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ قَالَ: أُنْزِلَتْ آيَةُ الْمُتْعَةِ فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى فَفَعَلْنَاهَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَلَمْ يَنْزِلْ قُرْآنٌ يُحَرِّمُهَا , وَلَمْ يَنْهَ عَنْهَا حَتَّى مَاتَ. قَالَ رَجُلٌ بِرَأْيِهِ مَا شَاءَ.
قَالَ الْبُخَارِيُّ: يُقَالُ: إنَّهُ عُمَرُ.
وَلِمُسْلِمٍ: نَزَلَتْ آيَةُ الْمُتْعَةِ - يَعْنِي مُتْعَةَ الْحَجِّ - وَأَمَرَنَا بِهَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم ثُمَّ لَمْ تَنْزِلْ آيَةٌ تَنْسَخُ آيَةَ مُتْعَةِ الْحَجِّ، وَلَمْ يَنْهَ عَنْهَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم حَتَّى مَاتَ.
وَلَهُمَا بِمَعْنَاهُ.
فيه مسائل:
1= قوله: " أية المتعة " يعني: مُتعة الحج. وهي التمتّع بالعمرة إلى الحج.
2= إثبات النسخ وجواز وقوعه في الأحكام دون العقائد والأخبار، فهذه لا يدخلها النسخ.
3= في رواية للبخاري: قال مروان بن الحكم: شهدت عثمان وعليًّا رضي الله عنهما، وعثمان ينهى عن المتعة، وأن يُجْمع بينهما، فلما رأى عليٌّ أهَلّ بهما: لبيك بعمرة وحجة، قال: ما كنت لأدَع سنة النبي صلى الله عليه وسلم لِقول أحَد. وفي رواية للدارمي: فلما رأى ذلك عليٌّ أهل بهما جميعا.
وفي رواية للبخاري من طريق سعيد بن المسيب قال: اختلف عليٌّ وعثمان رضي الله عنهما وهما بَعُسْفَان في المتعة؛ فقال عليّ: ما تريد إلاَّ أن تَنهى عن أمْر فَعله النبي صلى الله عليه وسلم. فلما رأى ذلك عليٌّ أهل بهما جميعا.
وعند مسلم قال عبد الله بن شقيق: كان عثمان ينهى عن المتعة، وكان عليٌّ يأمر بها، فقال عثمان لعلي كلمة، ثم قال عليّ: لقد علمت أنا قد تمتعنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: أجل، ولكنا كنا خائفين.
4= لِم كَرِه مَن كَرِه التمتّع في الحج؟
اخْتُلِف في ذلك؛ فمن الصحابة رضي الله عنهم من رأى أن متعة الحج خاصة بأصحاب محمد صلى الله عليه وسلم و رضي الله عنهم.
فعن أبي ذر رضي الله عنه قال: كانت لنا رُخصة، يعني: المتعة في الحج. رواه مسلم.
قال ابن عبد البر: ولا أعرف من الصحابة من يجيز فسخ الحج في العمرة، بل خُصّ بِه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم.
روي عن عثمان بن عفان أنه قال: مُتْعَة الحج كانت لنا ليست لكم. يعني: أمْر رسول الله عام حجة الوداع بِفَسْخ الحج في العمرة. اهـ.
وعثمان رضي الله عنه قال لِعليّ: ولكنا كنا خائفين.
وأشكل قول عثمان هذا على بعض أهل العِلْم.
قال القرطبي: قوله: "خائفين" أي: مِن أن يكون أجْر مَن أفْرَد أعظم من أجر مَن تمتع. قال ابن حجر: كذا قال؛ وهو جمع حَسن، ولكن لا يخفى بُعْده. اهـ.
ومِمن كَرِه المتعة في أشهر الحج: عمر رضي الله عنه ومعاوية وابن مسعود رضي الله عنهم.
قال ابن عبد البر: المشهور عن عمر وعثمان أنهما كانا لا يَريان التمتع ولا القِران.
قال:
قد كان جماعة من العلماء يزعمون أن المتعة التي نهى عنها عمر رضي الله عنه وضرب عليها فسخ الحج في عمرة، فأما التمتع بالعمرة إلى الحج فلا.
وزعم من صحح نهي عمر عن التمتع أنه إنما نهى عنه لِيُنْتَجَع البيت مرتين أو أكثر في العام.
وقال آخرون: إنما نهى عنها عمر لأنه رأى الناس مالُوا إلى التمتع لِيَسَارَته وخِفّته، فَخَشِي أن يَضِيع القِرَان والإفْرَاد، وهما سُنتان للنبي صلى الله عليه وسلم.