تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وروى الزهري عن سالم قال: سُئل ابن عمر عن متعة الحج فأمر بها، فقيل له: إنك تُخالِف أباك! فقال: إن عُمر لم يَقُل الذي تقولون، إنما قال عمر: أفردوا الحج من العمرة، فإنه أتم للعمرة.

أي: أن العمرة لا تتم في شهور الحج إلاّ بهدي، وأراد أن يُزار البيت في غير شهور الحج، فجعلتموها أنتم حراما، وعاقبتم الناس عليها، وقد أحَلّها الله عزَّ وَجَلّ وعَمِل بها رسوله صلى الله عليه وسلم. فإذا أكثروا عليه قال: كتاب الله بيني وبينكم؛ كتاب الله أحق أن يُتّبع أم عُمر؟!

وقال: الصحيح عندي أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه لم يَنْهَ عن التمتع المذكور في هذا الباب؛ لأنه كان أعلم بالله ورسوله من أن ينهي عما أباحه الله في كتابه، وأباحه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأمَر به، وأذِن فيه، وإنما نهى عُمر عند أكثر العلماء عن فَسخ الحج في العمرة، فهذه العمرة التي تواعَد عليها عُمر. اهـ.

وقال القرطبي: وقد قال جماعة من العلماء: إنما كرهه عُمر لأنه أحب أن يُزار البيت في العام مرتين: مرة في الحج، ومرة في العمرة. ورأى الإفراد أفضل، فكان يأمُر به ويَميل إليه. اهـ.

وجرى الخلاف بين الصحابة في هذه المسألة خاصة، وإذا اختَلَف أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن قول بعضهم على بعض حُجّة، إلاّ بِموافقة السنة، أو بِمرجِّحات خارجية.

قال ابن عبد البر: الحجة عند التنازع والاختلاف سُنة رسول الله صلى الله عليه وسلم. اهـ.

قال ابن قدامة: ولَمَّا نهى معاوية عن المتعة أمَرت عائشة حشمها ومواليها أن يُهِلّوا بها، فقال معاوية: من هؤلاء؟ فقيل: حشم أو موالي عائشة فأرسل إليها: ما حملك على ذلك؟ قالت: أحببت أن يَعلم أن الذي قلت ليس كما قلت.

وقال عمران بن حصين رضي الله عنه: إني لأحدثك بالحديث اليوم ينفعك الله به بعد اليوم، واعلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أعْمَر طائفة من أهله في العَشر، فلم تَنْزِل آية تنسخ ذلك، ولم يَنْه عنه حتى مضى لوجهه. ارتأى كل امرئ بعد ما شاء أن يرتئي!

والمقصود بـ " العَشْر " عشر ذي الحجة. أي في أوّلها.

وعند مسلم: قال عمران بن حصين: نزلت آية المتعة في كتاب الله - يعني متعة الحج - وأمرنا بها رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم لم تَنْزِل آية تنسخ آية متعة الحج، ولم يَنْه عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى مات. قال رَجُلٌ بِرَأيه بعد ما شاء!

وفي رواية له: ارتأى رَجُلٌ برأيه ما شاء. يعني: عُمر.

وفي رواية له: قال فيها رَجُلٌ برأيه ما شاء.

وكان عمران رضي الله عنه على هذا القول إلى مات.

وفي صحيح مسلم من طريق مُطَرِّف قال: بعث إليّ عمران بن حصين في مرضه الذي توفي فيه، فقال: إني كنت مُحَدِّثك بأحاديث لعل الله أن ينفعك بها بعدي، فإن عشت فاكْتُم عَنِّي، وإن مُتّ فَحَدِّث بها إن شئت؛ إِنَّهُ قَدْ سُلِّمَ عَلَيَّ، وَاعْلَمْ أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ جَمَعَ بَيْنَ حَجٍّ وَعُمْرَةٍ، ثُمَّ لَمْ يَنْزِلْ فِيهَا كِتَابُ اللَّهِ، وَلَمْ يَنْهَ عَنْهَا نَبِيُّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. قَالَ رَجُلٌ فِيهَا بِرَأْيِهِ مَا شَاءَ.

5= تمتّع الصحابة مع النبي صلى الله عليه وسلم لِمن لم يسُق الهدي، ولِمن كان قارنا على وجه الخصوص.

6= تعظيم الصحابة رضي الله عنهم للسُّنَّة. وممن عُرِف عنه ذلك عمران بن حُصين رضي الله عنه.

قال أبو قتادة: كنا عند عمران بن حصين في رهط منا، وفينا بُشَيْرُ بن كعب، فحدثنا عمران يومئذ قال

: قال رسول الله عليه وسلم: الحياء خيرٌ كله. قال: أَوْ قَالَ: الْحَيَاءُ كُلُّهُ خَيْر.

فَقَالَ بُشَيْرُ بْنُ كَعْبٍ: إِنَّا لَنَجِدُ فِي بَعْضِ الْكُتُبِ أَوْ الْحِكْمَةِ أَنَّ مِنْهُ سَكِينَةً وَوَقَارًا لِلَّهِ وَمِنْهُ ضَعْف! قَالَ: فَغَضِبَ عِمْرَانُ حَتَّى احْمَرَّتَا عَيْنَاهُ، وَقَالَ: أَلا أَرَانِي أُحَدِّثُكَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَتُعَارِضُ فِيهِ؟ قَالَ: فَأَعَادَ عِمْرَانُ الْحَدِيثَ، قَالَ: فَأَعَادَ بُشَيْرٌ! فَغَضِبَ عِمْرَانُ قَالَ: فَمَا زِلْنَا نَقُولُ فِيهِ إِنَّهُ مِنَّا يَا أَبَا نُجَيْدٍ، إِنَّهُ لا بَأْسَ بِهِ. رواه البخاري ومسلم. واللفظ لمسلم.

إتحاف الكرام بشرح عمدة الأحكام · الصفحة ٣٧٩

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

إتحاف الكرام بشرح عمدة الأحكامص ٣٧٩