عَنْ عُمَرَ رضي الله عنه أَنَّهُ جَاءَ إلَى الْحَجَرِ الأَسْوَدِ , فَقَبَّلَهُ، وَقَالَ: إنِّي لأَعْلَمُ أَنَّك حَجَرٌ , لا تَضُرُّ وَلا تَنْفَعُ , وَلَوْلا أَنِّي رَأَيْتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم يُقَبِّلُكَ مَا قَبَّلْتُكَ.
فيه مسائل:
1= لماذا سُمِّي الحجر بالحجر الأسود؟
لأنه أسود اللون، وفي الحديث: نَزَل الحجر الأسود من الجنة وهو أشد بياضا من اللبن، فَسَوّدته خطايا بني آدم. رواه الترمذي، وقال: حديث حسن صحيح، وصححه الألباني.
2= مشروعية تقبيل الحجر الأسود، ومسّه لمن لا يستطع تقبيله ولو بواسطة، أو الإشارة إليه لِمن بَعُد عنه.
ففي الصحيحين من حديث ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ طَافَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ عَلَى بَعِيرٍ يَسْتَلِمُ الرُّكْنَ بِمِحْجَنٍ. وسيأتي شرحه – إن شاء الله –.
والمقصود بالرّكن هنا: الحجر الأسود.
قال النووي: وَفِي هَذَا الْحَدِيث: جَوَاز الطَّوَاف رَاكِبًا، وَاسْتِحْبَاب اِسْتِلام الْحَجَر، وَأَنَّهُ إِذَا عَجَزَ عَنْ اِسْتِلامه بِيَدِهِ اِسْتَلَمَهُ بِعُودٍ. اهـ.
3= استلام الحجر وتقبيله من السُّنَّة.
قال سويد بن غفلة: رأيت عمر قَبَّل الْحَجَر والْتَزَمه، وقال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم بك حفيا. رواه البخاري.
4= لا يُشرع للمرأة استلام الحجر وتقبيله إلاّ إذا لم يكن فيه مُزاحمة للرجال.
قال ابن عبد البر: الاستلام للرجال دون النساء، عن عائشة وعطاء وغيرهما وعليه جماعة الفقهاء. اهـ.
5= نفي النفع والضرّ عن الجمادات، وإثبات النفع والضرّ لله عزَّ وَجَلّ.
6= عدم تعلّق الصحابة رضي الله عنهم بآثار النبي صلى الله عليه وسلم كَتَعلّق الْمُتأخِّرين، ممن انحرف عن نهجهم، وخالف سُنّة نبيِّه صلى الله عليه وسلم.
روى ابن أبي شيبة من طريق أبي عمران الجوني عن أنس أنهم لَمَّا فتحوا تستر قال: كانوا يستظهرون ويستمطرون به، فكتب أبو موسى إلى عمر بن الخطاب بذلك، فكتب عمر إنّ هذا نبي من الأنبياء، والنار لا تأكل الأنبياء، والأرض لا تأكل الأنبياء، فكتب: أن انظر أنت وأصحابك - يعني أصحاب أبي موسى - فادفنوه في مكان لا يعلمه أحد غيركما. قال: فذهبت أنا وأبو موسى فَدَفَنَّاه.
قال ابن كثير في تفسيره: وقد رُوينا عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه لَمَّا وَجَد قبر دانيال في زمانه بالعراق أمَر أن يُخْفَى عن الناس، وأن تُدْفَن تلك الرقعة التي وجدوها عنده فيها شيء من الملاحم وغيرها.
وروى ابن أبي شيبة من طريق نافع قال: بلغ عمر بن الخطاب أن ناسا يأتون الشجرة التي بُويع تحتها. قال: فأمر بها فَقُطِعَتْ.
وهذه الشجرة التي بُويع تحتها بيعة الرضوان في غزوة الحديبية.
قال الإمام أبو بكر الطرطوشي: أرْسَل عمر فَطَمَس موضع الشجرة التي بايَع تحتها أصحاب الشجرة.
وروى عبد الرزاق في " باب ما يقرأ في الصبح في السفر " من طريق المعرور بن سويد قال: كنت مع عمر بين مكة والمدينة فصلى بنا الفجر فقرأ (ألم تر كيف فعل ربك) و (لإِيلافِ قُرَيْشٍ)، ثم رأى أقواما يَنْزِلون فيُصَلُّون في مسجد، فسأل عنهم، فقالوا: مسجد صلى فيه النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: إنما هلك من كان قبلكم أنهم اتخذوا آثار أنبيائهم بِيَعًا، من مَرّ بشيء من المساجد فحضرت الصلاة فليُصَلّ، وإلا فَلْيَمْضِ.
والآثار في هذا الباب كثيرة، وهي دالّة على عدم تعلّق الصحابة رضي الله عنهم بالآثار، وعدم الغلو فيها، وعدم تعظيم ما لم يُعَظِّمه الله.
7= قوة فقه الصحابة رضي الله عنهم، وذلك لأسباب منها:
مُصاحبة النبي صلى الله عليه وسلم.
مُعايشة التَّنْزِيل.
عدم تأثّرهم بالعُجمة والفلسفة!
8= الْتِزَام الصحابة رضي الله عنهم السُّنَّة، وعدم تقديم رأي أو قول أحدٍ عليها.