تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

4= في حديث ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قال: قال رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم - يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ.

وفي حديث أبي شُريحٍ السابق " الْغَد مِنْ يَوْمِ الْفَتْحِ ".

فهل كانت خطبته صلى الله عليه وسلم في يوم الفتح أو في اليوم الثاني؟

لا تَعارُض بين الحديثين، لأن فَتح مكة يُسمّى به اليوم الذي دَخَل فيه النبي صلى الله عليه وسلم إلى مكة، وتُسمّى به تلك الأيام التي أقامها النبي صلى الله عليه وسلم في مكة بعد الفتح، ويُسمّى به العام، ومنه حديث أنس بن مالك رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دَخَل عام الفتح وعلى رأسه المغفر. رواه البخاري ومسلم. وسيأتي شرحه.

فالنبي صلى الله عليه وسلم لم يَخطُب أول يود دَخَل مكة، وإنما خَطَب في اليوم الثاني من دخوله، فأبو شُريح رضي الله عنه

قاله على وجه الدقّة، وابن عباس على وجه الإجمال.

5= هل تحريم مكة كان في زمن نبينا محمد صلى الله عليه وسلم أو كان قبل ذلك؟

تحريم مكة كان قبل ذلك – كما سيأتي –.

وقد يقول قائل: ما فائدة تحريم النبي صلى الله عليه وسلم لها مع كونها مُحرّمة من زمن إبراهيم عليه الصلاة والسلام، ومع كون ذلك مُستَقِرّاً عند العرب قبل الإسلام؟

فالجواب عنه: أن ذلك للتأكيد على حُرمة مكة، وعلى حُرمة سَفك الدم فيها، وقَطع شوكها ... - إلى غير ذلك مما سيأتي بيانه -.

وتضمّن ذلك إزالة شُبهة، وهي قد يقول قائل، أو يَحتَجّ مُحتَجّ بِقتال النبي صلى الله عليه وسلم عام الفتح.

6= هل إبراهيم عليه الصلاة والسلام هو الذي حَرَّم مكة؟

في الحديث: " أن إبراهيم حَرّم مكة ".

وفي الحديث أيضا: " إنَّ مَكَّةَ حَرَّمَهَا اللَّهُ تَعَالَى , وَلَمْ يُحَرِّمْهَا النَّاسُ "

وفي التنْزِيل: (إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا).

كيف الجمع بينهما؟

الجواب:

مِن الأحاديث الدّالة على أن إبراهيم عليه الصلاة والسلام حرّم مكة: حديث عبد الله بن زيد رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أن إبراهيم حَرّم مكة، ودعا لها، وحَرّمتُ المدينة كما حَرّم إبراهيم مكة، ودعوت لها في مُدّها وصَاعها مثل ما دعا إبراهيم عليه السلام لمكة. رواه البخاري ومسلم.

ومِن الأحاديث التي تدلّ على أن الله حرّم مكة: حديث أبي شريح العدوي رضي الله عنه – حديث الباب –

وفي رواية للبخاري: إن الله حَرَّم مكة يوم خلق السماوات والأرض، فهي حرام بحرام الله إلى يوم القيامة لم تحل لأحد قبلي، ولا تحل لأحد بعدي، ولم تحلل لي إلا ساعة من الدهر.

والجمع بين هذه الأحاديث، والتوفيق بينها أن يُقال:

إن الله هو الذي حرّم مكة، وجَعَلها حراماً إلى يوم القيامة.

وإبراهيم عليه الصلاة والسلام أول من بنى البيت، كما هو معلوم، فتكون من هذا الباب نسبة التحريم إليه، وإلاّ فمن المعلوم أن الأنبياء لا يُحرِّمون مِن قِبَل أنفسهم.

ويكون إبراهيم عليه السلام هو أول من أُوحِي إليه تحريم البيت، أي بعد بنائه للبيت.

فتكون نسبة التحريم إلى إبراهيم عليه الصلاة والسلام.

وأصل التحريم من الله تبارك وتعالى.

فإن من المعلوم بداهة أن التحليل والتحريم تشريع، وهو من الله ابتداءً.

ويُقال مثل ذلك في اللعن.

فإن في بعض الأحاديث لعن الله، وفي بعضها لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وقد يكون في الشيء الواحد، كما في حديث ابن مسعود – المتّفقِ عليه –، وفي أوله قال: لَعَنَ الله الواشمات، والموتشمات، والمتنمصات، والمتفلِّجات للحُسن، المغيرات خلق الله. فبلغ ذلك امرأة من بني أسد يقال لها أم يعقوب، فجاءت فقالت: إنه بلغني أنك لَعَنْتَ كَيْتَ وكَيْت؟ فقال: ومالي لا ألعن من لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ الحديث.

فالشاهد من ذلك أن ابن مسعود رضي الله عنه نَسَب اللعن ابتداء إلى الله، ثم لما رُوجِع قال: ومالي لا ألعن من لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم؟

إتحاف الكرام بشرح عمدة الأحكام · الصفحة ٣٥١

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

إتحاف الكرام بشرح عمدة الأحكامص ٣٥١