تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وقد ذمّ الله أقواماً بإعجابهم بأنفسهم وبما عندهم من العلم، فقال: (فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ)

والله تعالى أعلم.

شرح عمدة الأحكام – ح 236 في حرمة صيد الحرم ولقطته وشوكه

ح 236

عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم - يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ –: لا هِجْرَةَ بَعْدَ الفَتْحِ , وَلَكِنْ جِهَادٌ وَنِيَّةٌ. وَإِذَا اُسْتُنْفِرْتُمْ فَانْفِرُوا.

وَقَالَ: يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ: إنَّ هَذَا الْبَلَدَ حَرَّمَهُ اللَّهُ يَوْمَ خَلَقَ اللَّهُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ، فَهُوَ حَرَامٌ بِحُرْمَةِ اللَّهِ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَإِنَّهُ لَمْ يَحِلَّ الْقِتَالُ فِيهِ لأَحَدٍ قَبْلِي , وَلَمْ يَحِلَّ لِي إلاَّ سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ؛ فَهُوَ حَرَامٌ بِحُرْمَةِ اللَّهِ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ. لا يُعْضَدُ شَوْكُهُ , وَلا يُنَفَّرُ صَيْدُهُ , وَلا يَلْتَقِطُ لُقْطَتَهُ إلاَّ مَنْ عَرَّفَهَا، وَلا يُخْتَلَى خَلاهُ.

فَقَالَ الْعَبَّاسُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ , إلاَّ الإِذْخِرَ، فَإِنَّهُ لِقَيْنِهِمْ وَبُيُوتِهِمْ. فَقَالَ: إلاَّ الإِذْخِرَ.

القَينُ: الحَدَّاد.

في الحديث مسائل:

1= قوله: " لا هِجْرَةَ بَعْدَ الفَتْحِ "

هل يتعارض هذا مع قوله عليه الصلاة والسلام: لا تنقطع الهجرة حتى تنقطع التوبة، ولا تنقطع التوبة حتى تطلع الشمس من مغربها. رواه الإمام أحمد وأبو داود.

ومثله قوله عليه الصلاة والسلام لمجاشع بن مسعود رضي الله عنه: مَضَتِ الهجرة لأهلها. رواه البخاري.

وفي رواية له: ذَهَبَ أهل الهجرة بما فيها.

لا تَعارُض بينهما، لأن الأول بخصوص مكة، أي لا هَجرَة بعد فتح مكة.

والثاني عام في بقاء حُكم الهجرة، من بلد الكُفر إلى بلد الإسلام، ومن بلد البدعة إلى بلد السنة، ومن بلد المعصية إلى بلد الطاعة.

قال ابن عبد البر: معناه لا هجرة تُبْتَدأ بعد الفتح مُفترضة، لا على أهل مكة ولا على غيرهم. اهـ.

وقال النووي: قال أصحابنا وغيرهم من العلماء: الهجرة من دار الحرب إلى دار الإسلام باقية إلى يوم القيامة وتأوّلوا هذا الحديث تأويلين:

أحدهما: لا هجرة بعد الفتح من مكة، لأنها صارت دار إسلام، فلا تُتَصَوّر منها الهجرة.

والثاني: - وهو الأصح - أن معناه أن الهجرة الفاضلة المهمّة المطلوبة التي يمتاز بها أهلها امتيازا ظاهرا انقطعت بفتح مكة، ومَضَتْ لأهلها الذين هاجروا قبل فتح مكة، لأن الإسلام قوي وعَزّ بعد فتح مكة عزا ظاهرا، بخلاف ما قبله. اهـ.

ويَعضد القول الثاني ما جاء في حديث مُجاشع بن مسعود رضي الله عنه، وفيه: ذَهَبَ أهل الهجرة بما فيها.

2= قوله: " وَلَكِنْ جِهَادٌ وَنِيَّةٌ "

وهذا موافِق لِقوله عليه الصلاة والسلام لمجاشع بن مسعود رضي الله عنه.

روى البخاري من حديث مجاشع رضي الله عنه قال: أتيت النبي صلى الله عليه وسلم أنا وأخي، فقلت: بَايِعْنَا على الهجرة. فقال: مَضَتِ الهجرة لأهلها. فقلت: عَلامَ تُبَايِعُنا؟ قال: على الإسلام والجهاد. رواه البخاري.

قال النووي: " ولكن جهاد ونية " معناه أن تحصيل الخير بسبب الهجرة قد انقطع بفتح مكة، ولكن حَصِّلُوه بالجهاد والنية الصالحة. وفى هذا الحثّ على نِيّة الخير مُطلقا، وأنه يثاب على النِّيَّة.

3= قوله صلى الله عليه وسلم:" وَإِذَا اُسْتُنْفِرْتُمْ فَانْفِرُوا " معناه: إذا طلبكم الإمام للخروج إلى الجهاد فاخرجوا. وهذا دليل على أن الجهاد ليس فرض عين، بل فرض كفاية إذا فعله من تحصل بهم الكفاية سَقَطَ الْحَرَج عن الباقين، وإن تركوه كلهم أثِمُوا كلهم. قال أصحابنا: الجهاد اليوم فرض كفاية، إلا أن يَنْزِل الكفار بِبَلَد المسلمين، فَيَتَعَيّن عليهم الجهاد، فإن لم يكن في أهل ذلك البلد كفاية وَجَبَ على من يليهم تَتْمِيم الكفاية. قاله النووي.

إتحاف الكرام بشرح عمدة الأحكام · الصفحة ٣٥٠

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

إتحاف الكرام بشرح عمدة الأحكامص ٣٥٠