تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فابتداء التشريع من الله، وقد يُنسب إلى مَن جاء به.

أو يُنسب إلى أول من عمِل به.

كما يُقال: فعل الأمير كذا.

وقد لا يكون للأمير إلا إصدار الأمر.

وهذا جائز في اللغة، ولذا جاءت اللغة العربية بالتوكيد والمؤكِّدات.

فإذا قلت: جاء الأمير فيُحتمل أنك تريد رسوله أو أمره أو بعض حاشيته، ونحو ذلك.

لكنك عندما تقول: جاء الأمير بنفسه، فقد أكّدت قولك بأنك لا تعني سواه.

فعلى هذا لا يكون هناك إشكال في إضافة تحريم مكة إلى إبراهيم عليه الصلاة والسلام لأنه أول من جاء به وعمِل به.

ولا إشكال في إضافته لله لأن الله تبارك وتعالى هو الذي أمَرَ به وشَرَعه.

كما تقول: ناقة الله، وتقول: ناقة قوم صالح.

قال ابن عطية في تفسيره: ولا تعارُض بين الحديثين، لأن الأول إخبار بسابِق علم الله فيها وقضائه وكون الْحُرْمَة مُدة آدم وأوقات عمارة القُطر بإيمان.

والثاني إخبار بتجديد إبراهيم لحرمتها وإظهاره ذلك بعد الدثور.

وكل مقال من هذين الإخْبَارَين حسن في مقامه. عَظَّم الحرمة ثاني يوم الفتح على المؤمنين بإسناد

التحريم إلى الله تعالى، وذَكَر إبراهيم عند تحريمه المدينة مثالاً لنفسه، ولا محالة أن تحريم المدينة هو أيضا من قِبَلِ الله تعالى ومْنْ نافِذ قضائه وسابِق علمه. اهـ.

وقول ابن عطية " بعد الدثور " أي بعد الاندثار.

وقال القرطبي في تفسير سورة البقرة: اخْتَلَف العلماء في مكة هل صارت حرما آمنا بسؤال إبراهيم، أو كانت قبله كذلك؟

على قولين:

أحدهما: أنها لم تزل حَرَماً من الجبابرة المسلطين ومن الخسوف والزلازل، وسائر المثُلات التي تَحِلّ بالبلاد وجعل في النفوس المتمردة من تعظيمها والهيبة لها ما صار به أهلها متميزين بالأمن من غيرهم من أهل القرى، ولقد جَعَل فيها سبحانه من العلامة العظيمة على توحيده ما شُوهِد من أمْرِ الصيد فيها، فيجتمع فيها الكلب والصيد فلا يُهَيّج الكلب الصيد، ولا يَنْفُر منه، حتى إذا خَرَجَا من الحرم عَدا الكلب عليه، وعاد إلى النفور والهرب. وإنما سأل إبراهيم ربه أن يجعلها أمْناً من القحط والجدب والغارات وأن يرزق أهله من الثمرات ...

الثاني: أن مكة كانت حلالا قبل دعوة إبراهيم عليه السلام كسائر البلاد، وأن بدعوته صارت حَرما آمنا كما صارت المدينة بتحريم رسول الله صلى الله عليه وسلم أمنا بعد أن كانت حلالا.

احتج أهل المقالة الأولى بحديث ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم فتح مكة: إن هذا البلد حَرّمه الله تعالى يوم خلق السماوات والأرض فهو حرام بحرمة الله تعالى إلى يوم القيامة ...

وقال ابن كثير رحمه الله:

فإذا عُلِمَ هذا فلا منافاة بين هذه الأحاديث الدالة على أن الله حَرَّم مكة يوم خلق السماوات والأرض، وبين الأحاديث الدالة على أن إبراهيم عليه السلام حَرَّمها؛ لأن إبراهيم بَلَّغَ عن الله حُكْمَه فيها، وتحريمه إياها، وأنها لم تَزَل بَلداً حَراما عند الله قبل بناء إبراهيم عليه السلام لها. اهـ.

7= قوله: " فَهُوَ حَرَامٌ بِحُرْمَةِ اللَّهِ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ " تحريم مكة فيما ذُكِر، من تحريم القِتال فيه، وقطع شوكِه وشَجَره النابت بغير فِعل الإنسان، وتنفير صيده، واصطياد صيده. بالإضافة إلى تعظيم الْحَرَم.

وأما من قال: إن التحريم أن لا يَدخلها أحد إلا بإحرام فضعيف، يُضعِّفَه فِعله عليه الصلاة

والسلام وفِعل بعض أصحابه.

فالنبي صلى الله عليه وسلم دَخَل مكة عام الفتح وعلى رأسه الْمِغْفَر، كما سيأتي في حديث أنس.

ومن أصحابه من دَخَل مكة بغير إحرام في حجة الوداع.

قال تعالى: (إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا)

قال ابن كثير: أي الذي إنما صَارَتْ حَرَاماً شَرْعاً وقَدَراً بتحريمه لها.

إتحاف الكرام بشرح عمدة الأحكام · الصفحة ٣٥٢

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

إتحاف الكرام بشرح عمدة الأحكامص ٣٥٢