وفي الحديث المؤمنون هينون لينون مدح النبي بالسهولة واللين لأنهما من الأخلاق الحسنة فإن قلت : من أمثال العرب لا تكن رطبا فتعصر ولا يابسا فتكسر وعلى وفق ذلك ورد قوله عليه السلام : "لا تكن مرا فتعقى ولا حلوا فتسترط" يقال : أعقيت الشيء إذا أزلته من فيك لمرارته واسترطه أي ابتلعه وفي هذا نهى عن اللين فما وجه كونه جهة مدح قلت لا شبهة في أن خير الأمور أوسطها وكل طرفي الأمور ذميم أي المذموم هو الإفراط والتفريط لا الاعتدال والاقتصاد نسأل الله العمل بذلك ﴿ترااهم ركعا سجدا﴾ جمع راكع وساجد أي تشاهدهم حال كونهم راكعين ساجدين لمواظبتهم على الصلوات فهما حالان لأن الرؤية بصرية وأريد بالفعل الاستمرار والجملة خبر آخر أو استئناف ﴿يبتغون فضلا من الله ورضوانا﴾ إما خبر آخر أو استئناف مبني على سؤال نشأ عن بيان مواظبتهم على الركوع والسجود كأنه قيل ماذا يريدون بذلك فقيل : يبتغون فضلا من الله ورضوانا أي ثوابا ورضى وقال بعض الكبار قصدهم في الطاعة والعبادة الوصول والوصال وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء قال الراغب : الرضوان الرضى الكثير ﴿سيماهم﴾ فعلى من ساه إذا أعلمه أي جعله ذا علامة والمعنى علامتهم وسمتهم وقرىء سيمياؤهم
57
بالياء بعد الميم والمد وهما لغتان وفيها لغة ثالثة هي السيماء بالمد وهو مبتدأ خبر قوله : ﴿فى وجوههم﴾ أي ثابتة في وجوههم من أثر السجود
حال من المستكن في الجار وأثر الشيء حصول ما يدل على وجوده كما في المفردات أي من التأثير الذي تؤثره كثرة السجود وما روى عن النبي عليه السلام من قوله : لا تعلموا صوركم أي لا تسموها إنما هو فيما إذا اعتمد بجبهته على الأرض ليحدث فيها تلك السمة وذلك محض رياء ونفاق والكلام فيما حدث في جبهة السجاد الذين لا يسجدون إلا خالصا لوجه الله وكان الإمام زين العابدين رضي الله عنه وهو علي بن الحسين بن علي رضي الله عنهم وكذا علي بن عبد الله بن العباس يقال لهما : ذو الثفنات لما أحدثت كثرة سجودهما في مواضعة منهما أشباه ثفنات البعير والثفنة بكسر الفاء من البعير الركبة وما مس الأرض من أعضائه عند الإناخلاة وثفنت يده ثفنا إذا غلظت عن العمل وكانت له خمسمائة أصل زيتون يصلي عند كل أصل ركعتين كل يوم قال قائلهم :
جزء : 9 رقم الصفحة : 2
ديار علي والحسين وجعفر
وحمزة والسجاد ذي الثفنات
قال عطاء : دخل في الآية تن حافظ على الصلوات الخمس وقال بعض الكبار سيما المحبين من أثر السجود فإنهم لا يسجدون لشيء من الدنيا والعقبى إلامخلصين له الدين وقيل صفرة الوجوه من خشية الله وقيل ندى الطهور وتراب الأرض فإنهم كانوا يسجدون على التراب لا على الأثواب وقيل استنارة وجوههم من طول ما صلوا بالليل قال عليه السلام : من كثر صلاته بالليل حسن وجهه بالنهار ألا ترى أن من سهر بالليل وهو مشغول بالشراب واللعب لا يكون وجهه في النهار كوجه من سهر وهو مشغول بالطاعة وجاء في باب الإمامة أنه يقدم إلا علم ثم ألا قرأتم الأورع ثم الأسن ثم الأصبح وجها أي أكثرهم صلاة بالليل لما روي من الحديث قيل لبعضهم ما بال المتهجدين أحسن الناس وجوها قال : لأنهم خلوا بالرحمن فأصابهم من نوره كما يصيب القمر نور الشمس فينور به.
در نفحات مذكوراست كه ون ارواح ببركت قرب الهي صافي شد انوار موافقت بر اشباخ ظاهر كردد :
درويش را كواه ه حاجت كه عاشقت
رنك رخش زدوربه بين وبدان كه هست
وقال سهل المؤمن من توجهمقبلا عليه غير معرض عنه وذلك سيما المؤمنون وقال عامر بن عبد القيس كادوجه المؤمن يخبر عن مكتون عمله وكذلك وجه الكافر وذلك قوله سيماهم في وجوههم وقال بعضهم : ترى على وجوههم هيبة القرب عهدهم بمناجاة سيدهم وقال ابن عطاء : ترى عليهم خلع الأنوار لائحة وقال عبد العزيز المكي : ليست هي النحولة والصفرة لكنها نور يظهر على وجوه العابدين يبدو من باطنهم على ظاهرهم يتبين ذلك للمؤمنين ولو كان ذلك في زنجي أو حبشي انتهى ولا شك أن هذه الأمة يقومون يوم القيامة غرا مخجلين من آثار المضوء وبعضهم يكون وجوههم من أثر السجود كالقمر ليلة البدر وكل ذلك من تأثير نور القلب وانعكاسه ولذا قال :
آن سياهى كزى ناموس حق ناقوس زد
در عرب بو الليل بوداندر قيامت بوالنهار
جزء : 9 رقم الصفحة : 2
﴿ذالك﴾ إشارة إلى ما ذكر من نعوتهم الجليلة ﴿مثلهم﴾ أي وصفهم العجيب الشان الجاري في الغرابة مجرى الأمثال ﴿فى التورااة﴾ حال من مثلهم والعامل معنى الإشارة والتوراة اسم
58