تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

عطف على صدق والفاء للترتيب الذكري فالتعرض لحكم الشيء إنما يكون بعد جري ذكره والمراد بعلمه تعالى العلم الفعلي المتعلق بأمر حادث بعد المعطوف عليه أي فعل عقيب ما أراه الرؤيا الصادقة ما لم تعلموا من الحكمة الداعية إلى تقديم ما يشهد بالصدق علما فعليا ﴿فجعل﴾ لأجله ﴿من دون ذالك﴾ أي من دون تحقق مصداق ما أراه من دخول المسجدالحرام الخ وبالفارسية س ساخت براى شما يعني مقرر كرد يش ازين يعني قبل از دخول در مسجد حرام بجهت عمره قضا ﴿فتحا قريبا﴾ هو فتح خيبر مضى عليه السلام بعد خمس عشرة ليلة كما في عين المعاني والمراد بجعله وعده وإنجازه من غير تسويف ليستدل به على صدق الرؤيا حسبما قال ولتكون آية للمؤمنين وأما جعل ما في قوله ما لم تعلموا عبارة عن الحكمة في تأخير فتح مكة إلى العام القابل

53

كما جنح إليه الجمهور فتأباه الفاء فإن علمه تعالى بذلك متقدم على إراءة الرؤيا قطعا كما في الإرشاد وفي الآية إشارة إلى أن الله تعالى امتحن المؤمن والمنافق بهذه الرؤيا إذ لم يتعين وقت دخولهم فيه فأخر الدخول تلك السنة فهلك المنافقون بتكذيب النبي عليه السلام فيما وعدهم بدخول المسجد الحرام وازداد كفرهم ونفاقهم وازداد إيمان المؤمنين بتصديق النبي عليه السلام مع إيمانهم وانتظروا صدق رؤياه فصدق الله رسوله الرؤيا بالحق فهلك من هلك عن بينة وحي من حي عن بينة ولذلك قال تعالى لعلم ما لم تعلموا يعني من تربية نفاق أهل النفاق وتقوية إيمان أهل الإيمان فجعل من دون ذلك فتحا قريبا من فتوح الظاهر والباطن فلا بد من الصبر فإن الأمور مرهونة بأوقاتها :

صد هزاران كميا حق آفريد

كيميايي همو صبر آدم نديد

نيست هر مطلوب از طالب دريغ

جفت تابش شمس وجفت آب ميغ

وقد صبر عليه السلام على أذى قومه وهكذا حال كل وارث قال معروف الكرخي قدس سره : رأيت في المنام كأني دخلت الجنة ورأيت قصرا فرشت مجالسه وأرخيت ستوره وقام ولدانه فقلت لمن هذا؟ فقيل : لأبي يوسف فقلت : بم استحق هذا؟ فقالوا : بتعليمه الناس العلم وصبره على أذاهم ثم إن الصدق صفة الله تعالى وصفة خواص عباده وأنه من أسباب الهداية.

جزء : 9 رقم الصفحة : 2

حكي عن إبراهيم الخواص قدس سره أنه كان إذا أراد سفرا لم يعلم أحدا ولم يذكره وإنما يأخذ ركوته ويمشي قاد حامد الأسود : فبينما نحن معه في مسجد تناول ركوته ومشى فإتبعته فلما وافينا القادسي قال لي : يا حامد إلى أين؟ قلت : يا سيدي خرجت لخروجك قال : أنا أريد مكة إن شاء الله قلت : وأنا أريد إن شاء الله مكة فلما كان بعد أيام إذا بشام قد انضم إلينا فمشى معنا يوما وليلة لا يسجدسجدة فعرفت إبراهيم وقلت : إن هذا الغلام لا يصلي فجلس وقال : يا غلام مالك لا تصلي والصلاة أوجب عليك من الحج؟ فقال : يا شيخ ما علي صلاة قلت : ألست بمسلم؟ قال : لا قلت فأي شيء أنت؟ قال : نصراني ولكن إشارتي في النصرانية إلى التوكل وادعت نفسي أنها قد أحكمت حال التوكل فلم أصدقا فيما ادعت حتى أخرجتها إلى هذه الفلاة التي ليس فيها موجود غير المعبود أثير ساكني وامتحن خاطري فقام إبراهيم ومشى وقال : دعه معك فلم يزل يسايرنا حتى وفينا بطن مرو فقام إبراهيم ونزع خلقانه فطهرها بالماء ثم جلس وقال له : ما اسمك؟ قال : عبد المسيح فقال : يا عبد المسيح هذا دهليز مكة يعني الحرم وقد حرم الله على أمثالك الدخول فيه قال : تعالى إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا والذي أردت أن تستكشفه من نفسك قد بان لك فاحذر أن تدخل مكة فإن رأيناك بمكة أنكرنا عليك قال حامد : فتركناه ودخلنا مكة وخرجنا إلى الموقف فبينما نحن جلوس بعرفات إذ به قد أقبل عليه ثوبان وهو محرم يتصفح الوجوه حتى وقف علينا فأكب على إبراهيم يقبل رأسه فقال له : ما وراءك يا عبد المسيح فقال له : هيهات أنا اليوم عبد من المسيح عبده فقال له إبراهيم : حدثني حديثك قال : جلست مكاني حتى أقبلت قافلة الحاج وتنكرت في زي المسلمين كأني محرم فساعة وقعت عيني على

54

روح البيان - إحياء التراث · الجزء ٩ · الصفحة ٤٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

روح البيان - إحياء التراثج ٩ · ص ٤٥