تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

﴿لقد صدق الله رسوله الرءيا﴾ صدق بتعدي إلى مفعولين إلى الأول بنفسه وإلى الثاني بحرف الجر يقال صدقك في كذا أي ما كذبك فيه وقد يحذف الجار ويوصل الفعل كما في هذها لآية أي صدقه عليه السلام في رؤياه وتحقيقه أراه الرؤيا الصادقة وهي ما سبق في أول السورة من أنه عليه السلام رأى قبل خروجه إلى الحديبية كأنه وأصحابه قد دخلوا مكة آمنين وقد حلقوا رؤوسهم وقصروا فقص الرؤيا على أصحابه ففرحوا واستبشروا وحسبوا أنهم داخلوها في عامهم هذا فلما تأخر ذلك قال بعض المنافقين : والله ما حلقنا ولا قصرنا ولا رأينا المسجد الحرام فنزلت وهو دليل قاطع على أن الرؤيا حق وليس بباطل كما زعم جمهور المتكلمين والمعتزلة فتبا لهم كما في بحر العلوم قالوا : إن خلت الرؤيا عن حديث النفس وكان هيئة الدماغ صحيحة والمزاج مستقيما كانت رؤيا من الله مثل رؤيا الأنبياء والأولياء والصلحاء وفي الحديث الرؤيا الصالحة جزء من ستة وأربعين جزأ من النبوة ﴿بالحق﴾ أي صدقا ملتبسا بالغرض الصحيح والحكمة البالغة التي هي التمييز بين الراسخ في الإيمان والمتزلزل فيه أو حال كون تلك الرؤيا ملتبسة بالحق ليست من قبيل أضغاث الأحلام لأن ما رآه كائن لا محالة في وقته المقدور له وهو العام القابل وقد جوز أن يكون قسما بالحق الذي هو من أسماء الله أو بنقيض الباطل وقوله : ﴿لتدخلن المسجد الحرام﴾ جواب وهو على الأولين جواب قسم محذوف أي والله لتدخلنه في العام الثاني ﴿إن شآء الله﴾ تعليق للعدة بالمشيئة لتعليم العباد لكي يقولوا في عداتهم مثل ذلك لا لكونه تعالى شاكا في وقوع الموعود فإنه منزه عن ذلك وهذا معنى ما قال ثعلب استثنى الله فيما يعلم ليستثني الخلق فيما لا يعلمون وفيه أيضا تعريض بأن دخولهم مبني على مشيئته تعالى ذلك لا على جلادتهم وقوتهم كما قال في الكواشي استثنى أعلاما أنه لأفعال إلا الله انتهى أو للاشعار بأن بعضهم لا يدخلونه لموت أو غيبة أو غير ذلك فكلمة أن للتشكيك لا للشك وقال الحدادي الاستثناء قد يذكر للتحقيق تبكرا كقولهم قد غفر الله لك إن شاء الله ولا تعلق لمن يصحح الأيمان بالاستثناء لأنه خير عن الحال فالاستثناء فيه محال كما في عين المعاني وروى أن النبي عليه السلام كان إذا دخل المقابر يقول : السلام عليكم أهل القبور وأنا إنشاء الله بكم لاحقون فيستثنى على وجه التبرك وإن كان اللحوق مقطوعا به وقيل معناه لاحقون بكم في الوفاة على الإيمان فإن شرطية

52

جزء : 9 رقم الصفحة : 2

ويمكن ان يقال تعليق اللحوق بالمشيئة بناء على ان اللحوق بخصوص المخاطبين ويتحصل من هذا ان الاستثناء من الأمن لا من الدخول لأن الدخول مقطوع لا إلا من حال الدخول وقال بعضهم إن هنا بمعنى إذ كما في قوله إن أردن تحصنا وقال ابن عطية وهذا احسن في معناه لكن كون أن بمعنى إذ غير موجود في لسان العرب وفيه وجه آخر وهو أنه حكاية لما قاله ملك الرؤيا لرسول الله فقوله لتدخلن الآية تفسير للرؤيا كأنه قيل هو قول الملك له عليه السلام في منامه لتدخلن وإذا كان التعليق من كلام الملك لتبرك فلا إشكال أو حكاية لما قاله عليه السلام لأصحابه كأنه قيل قال النبي بناء على تلك الرؤيا التي هي وحي لتدخلن الخ يعني لما قص رؤياه على أصحابه استأنف بأن قال لتدخلن الخ ﴿ءامنين﴾ من الأعادي حال من فاعل لتدخلن والشرط معترض وكذا قوله : ﴿محلقين رءوسكم﴾ أي جميع شعورها والتحليق والتحلاق بسيار ستردن سركما في تاج المصادر والحلق العضو المخصوص وحلقه قطع حلقه ثم جعل الحلق لقطع الشعر وجزه فقيل حلق شعره وحلق رأسه أي أزال شعره ﴿ومقصرين﴾ بعض شعورها والقصر خلاف الطول وقص شعره حز بعضه أي محلقا بعضكم ومقصرا آخرون وإلا فلا يجتمع الحلق والتقصير في كل واحد منهم فالنظم من نسب حال البعض إلى الكل يعني أن الواو ليست لاجتماع الأمرين في كل واحد منهم بل لاجتماعهما في مجموع القوم ثم إن قوله محلقين ومقصرين من الأحوال المقدرة فلا يرد أن حال الدخول هو حال الإحرام وهو لا يجامع الحلق والتقصير وقدم الحلق على التقصير وهو قطع أطراف الشعر لأن الحلق أفضل من التقصير وقد حلق رسول الله صلى الله عليه وسلم رأسه بمعنى وأعطى رأسه أبا طلحة الأنصاري وهو زوج أم سليم وهي والدة أنس بن مالك فكان آل أنس يتهادون به بينهم وروى أنه عليه السلام حلق رأسه أربع مرات والعادة في هذا الزمان في أكثر البلاد حلق الرأس للرجل عملا بقوله عليه السلام تحت كل شعرة نجاس فخللوا الشعر وانقوا البشرة وإنما قلنا للرجل لأن حلق شعر المرأة مثلة وهي حرام كما أن حلق لحية الرجل كذلك ﴿لا تخافون﴾ حال مؤكدة من فاعل لتدخلن أو استئناف جوابا عن سؤال أنه كيف يكون الحال بعد الدخول أي لا تخافون بعد ذلك من أحد ﴿فعلم ما لم تعلموا﴾

جزء : 9 رقم الصفحة : 2

روح البيان - إحياء التراث · الجزء ٩ · الصفحة ٤٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

روح البيان - إحياء التراثج ٩ · ص ٤٤