تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

﴿إذ جعل الذين كفروا﴾ منصوب باذكر على المفعولية أي اذكر وقت جعل الكافرين يعني أهل مكة ﴿فى قلوبهم الحمية﴾ أي الأنفة والتكبر فعيلة من حمى من كذا حمية إذا أنفق منه وفي المفردات عبر عن القوة الغضبي إذا ثارت وكثرت بالحمية يقال حميت على فلان أي غضبت عليه انتهى وذلك لأن في الغضب ثوران دم القلب وحرارته وغليانه والجار والمجرور إما متعلق بالجعل على أنه بمعنى الإلقاء أو بمحذوف أو مفعول ثان على أنه بمعنى التصيير أن جعلوها ثابتة راسخة في قلوبهم ﴿حمية الجاهلية﴾ بدلمن الحمية أي حمية الملة الجاهلية وهي ما كانت قبل البعثة والحمية الناشئة من الجاهلية التي تمنع إذعان الحق قال الزهري : حميتهم أنفتهم من الإقرار للنبي بالرسالة والاستفتاح ببسم الله الرحمن الرحيم أو منعهم من دخول مكة وقال مقاتل : قال أهل مكة قد قتلوا بناءنا وإخوننا ثم يدخلون علينا فتتحدث العرب إنهم دخلوا علينا على رغم أنفنا واللات والعزى لا يدخلون علينا فهذه حمية الجاهلية التي دخلت في قلوبهم ﴿فأنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين﴾ عطف على جعل والمراد تذكير حسن صنيع الرسول والمؤمنين بتوفيق الله تعالى وسوء صنيع الكفرة أي فأنزل الله عليهم الثبات والوقار فلم يلحق بهم ما لحق الكفار فصالحوهم ورضوا أن يكتب الكتاب على ما أرادوا

49

يروى أنه لما أبى سهيل ومن معه أن يكتب في عنوان كتاب الصلح البسملة وهذا ما صالح عليه رسول أهل مكة بل قالوا : كتب باسمك اللهم وهذا ما صالح عليه محمد بن عبد الله أهل مكة قال عليه السلام لعلي رضي الله عنه : "اكتب ما يريدون فهم المؤمنون أن يأبوا ذلك ويبطشوا بهم فأنزل الله السكينة عليهم فتوقروا وحلموا مع أن أصل الصلح لم يكن عندهم بمحل من القبول في أول الأمر على ما سبق في أول السورة مفصلا" ﴿وألزمهم كلمة التقوى﴾ أي لكمة الشهادة حتى قالوها وهذا إلزام الكرم واللطف لا إلزام الإكراه والعنف وأضيفت إلى التقوى لأنها سببها إذ بها يتوقى من الشرك ومن النار فإن أصل التقوى الاتقاء عنها وقد وصف الله هذه الأمة بالمتقين في مواضع من القرآن العظيم باعتبار هذه الكلمة وبسم الله الرحمن الرحيم ومحمد رسول الله من شعار هذه الأمة وخواصها اختارها لهم وصار المشركون محرومين منها حيث لم يرضوا بأن يكتب في كتاب الصلح ذلك وعن الحسن كلمة التقوى هي الوفاء بالعهد فإن المؤمنين وفوا حيث نقضوا العهد وعاونوا من حارب حليف المؤمنين والمعنى على هذا وألزمهم كلمة أهل التقوى وهي العهد الواقع في ضمن الصلح ومعنى إلزامها إياهم تثبيتهم عليها وعلى الوفاء بها قال أهل العربية الكلمة قد تستعمل في اللفظة الواحدة ويراد بها الكلام الكثير الذي ارتبط بعضه ببعض فصار ككلمة واحدة كتسميتهم القصيدة بأسرها كلمة ومنه يقال كلمة الشهادة قال الرضي وقد تطلق الكلمة مجازا على القصيدة والجملة يقال كلمة شاعر وقال تعالى وتمت كلمة ربك والكلمة عند أهل العربية مشتقة من الكلم بمعنى الجرح وذلك لتأثيرها في النفوس وعند المحققين عبارة عن الأرواح والذوات المجردة عن المواد والزمان والمكان لكون وجودها بكلمة كن في عالم الأمر إطلاقا لاسم السبب على المسبب والدليل على ذلك قوله تعالى : إنما المسيح عيسى ابن مريم رسول الله وكلمته ألقاها إلى مريم ولمراد بكلمة التقوى ههنا حقيقة التقوى وماهيتها فإن الحقيقة من حيث هي مجردة عن اللهوا حق المادية والتشخصات فالله تعالى ألزم المؤمنين حقيقة التقوى لينالوا بها قوة اليقين والتجرد التام وصفاء الفطرة الأصلية

جزء : 9 رقم الصفحة : 2

﴿وكانوا أحق بها﴾ متصفين بمزيد استحقاق لها في سابق حكمه وقدم علمه على أن صيغة التفضيل للزيادة مطلقا وقيل : أحق بها من الكفار ﴿وأهلها﴾ عطف تفسير أي المستأهل لها عند الله والمختص بها من أهل الرجل وهو الذي يختص به وينسب إليه قيل : إن الذين كانوا قبلنا لا يمكن د منهم أن يقول لا إله إلا الله في اليوم والليلة إلا مرة واحدة لا يستطيع أن يقولها أكثر من ذلك وكان قائلها يمد بها صوته حتى ينقطع النفس التماس بركتها وفضلها وجعل الله لهذه الأمة أن يقولوها متى شاءوا وهو قوله وألزمهم كلمة التقوى وكانوا أحق بها من الأمم السالفة وقال مجاهد ثلاث لا يحجبن عن الرب : لا إله إلا الله من قلب مؤمن ، ودعوة الوالدين ، ودعوة المظلوم كما في كشف الأسرار.

وفي المثنوي :

بحرو حدانست جفت وزوج نيست

كوهر وما هيش غير موج نيست

أي محال وأي محال اشراك أو

دورازان دريا وموج اك أو

﴿وكان الله بكل شىء عليما﴾ بليغ العلم بكل شيء من شأنه أن يتعلق به العلم فيعلم حق كل شيء

50

روح البيان - إحياء التراث · الجزء ٩ · الصفحة ٤٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

روح البيان - إحياء التراثج ٩ · ص ٤٢