تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

﴿ولولا رجال مؤمنون ونسآء مؤمنات لم تعلموهم﴾ لم تعرفوهم بأعيانهم لاختلاطهم وهو صفة الرجال ونساء جميعا وكانوا بمكة وهم اثنان وسبعون نفسا يكتمون إيمانهم ﴿أن تطاوهم﴾ بدل اشتمال منهم أو من الضمير المنصوب في تعلموهم أي توقعوا بهم وتهلكوهم فإن الوطأ عبارة عن الإيقاع والإهلاك والإبادة على طريق ذكر الملزوم وإرادة اللازم لأن الوطأ تحت الأقدام مستلزم للاهلاك ومنه قوله عليه السلام : "اللهم اشدد وطأتك على مضر أي خذهم أخذا شديدا" وفي المفردات أي ذللهم ووطىء امرأته كناية عن المجامعة صار كالتصريح للعرف ﴿فتصيبكم منهم﴾ أي من جهتهم معطوف على قوله أن تطأوهم ﴿معرة﴾ مفعلة من عره إذا عراه ودهاه بما يكرهه ويشق عليه وفي المفردات العر الجرب الذي يعر البدن أي يعترضه ومنه قيل للمضرة معرة تشبيها بالعر الذي هو الجرب والمعنى مشقة ومكروه كوجوب الدية أو الكفارة بقتلهم والتأسف عليهم وتعيير الكفار وسوء حالتهم والإثم بالتقصير في البحث عنهم قال سعدي المفتي : قلت في المذهب الحنفي : لا يلزم بقتل مثله شيء من الدية والكفارة وما ذكره الزمخشري لا يوافق مذهبه انتهى وقال بعضهم : أوجب الله على قاتل المؤمن في دار الحرب إذا لم يعلم إيمانه الكفارة فقال تعالى : فإن كان من قوم عدو لكم وهو مؤمن فتحرير رقبة مؤمنة ﴿بغير علم﴾ متعلق بأن تطأوهم أي غير عالمين بهم فيصيبكم بذلك مكروه لما كف أيديكم عنهم وفي هذا الحذف دليل على شدة غضب الله تعالى على كفار مكة كأنه قيل : لولا حق المؤمنين موجود لفعل بهم ما لا يدخل تحت الوصف والقياس بناء على أن

48

الحذف للتعميم والمبالغة ﴿ليدخل الله فى رحمته﴾ متعلق بما يدل عليه الجواب المحذوف كأنه قيل عقيبه لكن كفها عنهم ليدخل بذلك الكف المؤدي إلى الفتح بلا محذور في رحمته الواسعة بقسيمها ﴿من يشآء﴾ وهم المؤمنون فإنهم كانوا خارجين من الرحمة الدنيوية التي من جملتها الأمن مستضعفين تحت أيدي الكفرة وأما الرحمة الأخروية فهم وإن كانوا غير محرومين منها بالكلية لكنهم كانوا قاصرين في إقامة العبادة كما ينبغي فتوفيقهم لإقامتها على الوجه الأتم إدخال لهم في الرحمة الأخروية

جزء : 9 رقم الصفحة : 2

﴿لو تزيلوا﴾ الضمير للفريقين أي لو تفرقوا وتميز بعضهم من بعض من زاله يزيله فرقه وزيلته فتزيل أي فرقته فتفرق ﴿لعذبنا الذين كفروا منهم عذابا أليما﴾ بقتل مقاتليهم وسبي ذراريهم والجملة مستأنفة مقررة لما قبلها وفي الآية إشارتان إحداهما : أن من خاصية النفس أن تصد وجه الطالب عن الله تعالى وتشوب الخيرات والصدقات التي يتقرب بها إلى الله بالرياء والسمعة والعجب لئلا تبلغ محل الصدق والإخلاص والقبول والثانية أن استبقاء النفوس لاستخلاص الأرواح وقواها مع أن بعض صفات النفس قابلة للقبض الإلهي فيلزم الحذر من إفساد استعدادها لقبول الفيض وعند التزكية فصفة لا يصلح إلا قلعها كالكبر والشره والحسد والحقد وصفة تصلح للتبديل كالبخل بالسخاوة والحرص بالقناعة والغضب بالحلم والجبانة بالشجاعة والشهوة بالمحبة قال البقلي : انظر كيف شفقة الله على المؤمنين الذين يراقبون الله في السراء والضراء ويرضون ببلائه كيف حرسهم من الخطرات وكيف أخفاهم بسره عن صدمات قهره وكيف جعلهم في كنفه حتى لا يطلع عليه أحد وكيف يدفع ببركتهم البلاء عن غيرهم فعلى المؤمن مراعاتهم في جميع الزمان والتوسل بهم إلى الله المنان فإنهم وسائل الله الخفية :

بخود سرفرو برده همون صدف

نه ما نند در يا بر آورده كف

جزء : 9 رقم الصفحة : 2

روح البيان - إحياء التراث · الجزء ٩ · الصفحة ٤١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

روح البيان - إحياء التراثج ٩ · ص ٤١